فآية هذه السورة تشير إلى الوحدة الاعتقادية ولذلك عبر عن التفرق الطارئ عليها باعتبار الاختلاف المشعر بالمذمة والمعقب بالتخويف في قوله: {ولولا كلمة سبقت} إلى آخره ، وآية سورة البقرة تشير إلى الوحدة الشرعية التي تجمعها الحنيفية الفطرية ، ولذلك عبر عن التفرق الذي طرأ عليها بأن الله بعث النبيئين مبشرين ومنذرين ، ثم جاء ذكر الاختلاف عرضاً عقب ذلك بقوله: {وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} [البقرة: 213] .
وأريد به الاختلاف بين أتباع الشرائع لقوله: {وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه} [البقرة: 213] .
وتقدم القول في {كان الناس أمة واحدة} في سورة [البقرة: 213] .
والناس: اسم جمع للبشر.
وتعريفه للاستغراق.
والأمة: الجماعة العظيمة التي لها حال واحد في شيء مَّا.
والمراد هنا أمة واحدة في الدين.
والسياق يدل على أن المراد أنها واحدة في الدين الحق وهو التوحيد لأن الحق هو الذي يمكن اتفاق البشر عليه لأنه ناشئ عن سلامة الاعتقاد من الضلال والتحْريف.
والإنسان لما أنشئ على فطرة كاملة بعيدة عن التكلف.
وإنما يتصور ذلك في معرفة الله تعالى دون الأعمال ، لأنها قد تختلف باختلاف الحاجات ، فإذا جاز أن يحدث في البشر الضلال والخطأ فلا يكون الضلال عاماً على عقولهم ، فتعين أن الناس في معرفة الله تعالى كانوا أمة واحدة متفقين على التوحيد لأن الله لما فطر الإنسان فطره على عقل سليم موافق للواقع ، ووَضَع في عقله الشعور بخالق وبأنه واحد وضعاً جِبلِّياً كما وضَع الإلهامات في أصناف الحيوان.
وتأيد ذلك بالوحي لأبي البشر وهو آدم عليه السلام.
ثم إن البشر أدخلوا على عقولهم الاختلاف البعيد عن الحق بسبب الاختلاق الباطل والتخيل والأوهام بالأقيسة الفاسدة.