وفي الآية: إيماء إلى أن سبب عبادتها وضلالهم فيما يدعون، هو اعتقادهم فيها القدرة على الضر والنفع، فرد عليهم خطأهم بأنه هو القادر على نفع من يعبده، وضر من يشرك بعبادته غيره، في الدنيا والآخرة. وقد دل تاريخ البشر في كل طور من أطواره، على أن كل ما عبده البشر من دون الله تعالى، من صنم أو وثن، فإنما عبده لاعتقاده فيه القدرة على النفع والضر، بسلطان له فوق الأسباب المعروفة، كعبادته للأوثان المتخذة من الحجارة، أو الخشب والأصنام المصنوعة من المعادن والحجارة، أو غير المصنوعة، كاللات، وهي صخرة كانت بالطائف يلت عليها السويق، عظمت حتى عبدت، أو الأشجار، كالعزى، معبودة قريش.
وقوله: {وَيَقُولُونَ} في حقها وشأنها، معطوف على {وَيَعْبُدُونَ} ؛ أي: ويقول هؤلاء المشركون في سبب عبادتهم لها، مع اعتقادهم أنها لا تملك الضر، ولا النفع بأنفسها إيمانهم: بأن الرب الخالق، هو الله تعالى و {هَؤُلَاءِ} الأصنام {شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} سبحانه وتعالى فإنهم يزعمون أنها تشفع لهم في الدنيا، في إصلاح معايشهم، وكشف ما يهمهم، كالقحط؛ لأنهم كانوا لا يعتقدون بعثًا بعد الموت، أو تشفع لهم في الآخرة على تقدير أن يبعثوا؛ لأنهم كانوا شاكين في البعث؛ أي: ونحن إنما نعبدهم ونعظم هياكلهم ونطيبها بالعطر، ونقدم لها النذور ونهل لهم عند ذبح القرابين، بذكر أسمائهم، وبدعائهم والاستغاثة بهم؛ لأنهم يشفعون لنا عند الله تعالى، ويقربونا إليه زلفى، ويدفعون بجاههم عنا النبلاء ويعطوننا ما نطلب من النعماء، والإخبار بهذا عن الكفار هو على سبيل التجهيل والتحقير لهم ولمعبوداتهم، والتنبيه على أنهم عبدوا ما لا يستحق العبادة. وقال أهل المعاني: توهموا أن عبادتها أشد في تعظيم الله من عبادتهم إياه، وقالوا لسنا بأهلٍ أن نعبد الله، ولكن نشتغل بعبادة هذه الأصنام، فإنها تكون شافعة لنا عند الله، قال تعالى إخبارًا عنهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} .