(كَشَفْنَا عَنْهُ ضرَّهُ) ، معناها أزلنا عنه حال الضر وكأنها كانت غشاء أخفى كفره فلما زال الغشاء عادت حقيقته كما كانت.
وقوله: (كأن لَّمْ يَدْعنَا إِلَى ضُرٍّ مسَّه) فيه (أنْ) مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، أي كان الشأن أنه لم يدع اللَّه إلى ضر مسه وذلك شأن اللئام من بني الإنسان، ينسى الإحسان في وقت القوة وكهؤلاء الُّلؤَماء الكافرين في نفوسهتم، كذلك قال اللَّه تعالى: (كذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كانوا يَعْمَلُونَ) أي كهذه الحال التي عليها المريض الضعيف الذي كشف اللَّه تعالى عنه الضر فنسي في عافيته ما كان في مرضه، كهذه الحال زيِّنَ للمسرفين ما كانوا يعملون، أي أنهم نسوا حال خلقهم وتكوينهم والإيمان بربهم وزين لهم الغرور والإسراف فيه ما كانوا يعملونه من شرور وآثام وظلم للعباد وطغيان في أنفسهم، وإسرافهم في الشر يجترعونه اجتراعا، وعبر اللَّه عن الجاحدين المنكرين الذين لَا يرجون لقاءه بالمسرفين؛ لأنهم أسرفوا على أنفسهم فاعتقدوا الباطل واعتقدوا أن الحياة الدنيا هي الوجود كله وأسرفوا على الناس فطغوا وبغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد.
ويسوق اللَّه العبر في آياته فلا يعتبرون؛ لأنه قد زين لهم ما كانوا يعملون، أي ما استمروا على عمله، لأنه بالجمع بين الماضي في (كَانُوا) ، والمستقبل في (يَعْمَلُونَ) . يسوق اللَّه تعالى العبر ولا معتبر، ولذا قال سبحانه:
(وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ(13)
القرن: الجيل، والقرون: الأجيال، وليس هلاك هذه الأجيال إهلاكها كلها وإنما الإهلاك للمكذبين منهم، فأهلك قوم نوح وأبقى المؤمنين ولما أهلك عادا وثمودا، أبقى المؤمنين، وأهلك من قوم لوط المفسدين وأبقى المؤمنين وهكذا، وفي قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ) إشارة إلى وجوب الاعتبار بهم، كما قال سبحانه: (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِين) .