(لَمَّا ظَلَمُوا) أي أن الهلاك كان عند ظلمهم وبسببه، وأن ظلمهم كان سببه الشرك وإن الشرك لظلم عظيم، حرموا ما أحل اللَّه وأحلوا ما حرمه، وكانوا طغاة كفرعون وأمثاله، فطغوا في البلاد، وظلموا العباد، واستغلوا قوى الناس بغير مبرر إلا أهوائهم.
ظلموا الرسل بتكذيبهم - قال تعالى: (وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ) أي بالمعجزات الواضحة الدالة على الرِسالة الإلهية التي حملوها فما طغى المجرمون عن غير بينة: (. . . وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِين حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) ، (. . . وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِير) .
تكاثفت ظلماتهم وتوالى شرهم وفسدت نفوسهم حتى اسودت وما عاد للحق فيها موضع، فبين سبحانه أنه لَا إيمان لهم بعد أن أظلمت قلوبهم، قال تعالى: (وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا) أي ما استقام لهم ليؤمنوا، و (اللام) هي التي تسمى بلام الجحود، ولا يستقيم لهم الإيمان لاسْوِدَاد قلوبهم وطمس نورها فلا يدخلها نور الحق، فهي في ظلمات دائمة مستمرة (كذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) ، أي كهذا الجزاء الذي جزيناهم به من الهلاك الذي نزل بهم وكطمس قلوبهم فلا يؤمنوا نجزي المعاندين، وقد وصفهم سبحانه وتعالى بالإجرام وأن ذلك هو الذي أدى إلى هلاكهم، وإجرامهم كان في كفرهم وطغيانهم وفسادهم في الأرض وهذه عبرة ساقها القرآن لمن يعتبر، وخاطب بها المشركين الذين يعبدون الأوثان ليعتبروا فقال تعالى:
(ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ(14) (ثُمَّ) هنا لمعناها من الترتيب والتراخي، وأن التراخي فيها يدل على تعدد الأجيال وكثرتها وما تركته من عبر وآثار تدل على عاقبة أمرهم، وهم على مقربة منهم يسيرون في أرضهم، و (خَلائِفَ) جمع خليفة وهم الذين يسكنون في مساكنهم كما قال تعالى:
(وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكمُ الأَمْثَالَ) .