فَقَدْ أَخْبَرَ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ هَؤُلَاءِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ إِنَّمَا كَانُوا أَهْلَ اعْتِذَارٍ بِالْبَاطِلِ لَا بِالْحَقِّ. فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُوصَفُوا بِالْإِعْذَارِ إِلَّا أَنْ يُوصَفُوا بِأَنَّهُمْ أَعْذَرُوا فِي الِاعْتِذَارِ بِالْبَاطِلِ. فَأَمَّا بِالْحَقِّ عَلَى مَا قَالَهُ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ مِنْ هَؤُلَاءِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُوصَفُوا بِهِ. وَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّمَا جَاءُوا مُعَذِّرِينَ غَيْرَ جَادِّينَ، يَعْرِضُونَ مَا لَا يُرِيدُونَ فِعْلَهُ. فَمَنْ وَجَّهَهُ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فَلَا كُلْفَةَ فِي ذَلِكَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ وَجَّهَ تَأْوِيلَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَسْتَحِبُّ الْقَوْلَ بِهِ. وَبَعْدُ، فَإِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ مِنَ الْقِرَاءَةِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ التَّشْدِيدُ فِي الذَّالِ، أَعْنِي مِنْ قَوْلِهِ: {الْمُعَذِّرُونَ} فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَهُ بِمَعْنَى الِاعْتِذَارِ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ وُصِفُوا بِذَلِكَ لَمْ يُكَلَّفُوا أَمْرًا عُذِرُوا فِيهِ، وَإِنَّمَا كَانُوا فِرْقَتَيْنِ إِمَّا مُجْتَهِدٌ طَائِعٌ وَإِمَّا مُنَافِقٌ فَاسِقٌ لِأَمْرِ اللَّهِ مُخَالِفٌ، فَلَيْسَ فِي الْفَرِيقَيْنِ مَوْصُوفٌ بِالتَّعْذِيرِ فِي الشُّخُوصِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا هُوَ مُعَذِّرٌ مُبَالِغٌ، أَوْ مُعْتَذِرٌ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَتِ الْحُجَّةُ مِنَ الْقُرَّاءِ مُجْمِعَةً عَلَى تَشْدِيدِ الذَّالِ مِنْ الْمُعَذِّرِينَ، عُلِمَ أَنَّ مَعْنَاهُ مَا وَصَفْنَاهُ مِنَ التَّأْوِيلِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الزَّمَانَةِ وَأَهْلِ الْعَجْزِ عَنِ السَّفَرِ وَالْغَزْوِ، وَلَا عَلَى الْمَرْضَى، وَلَا عَلَى مَنْ لَا يَجِدُ نَفَقَةً يَتَبَلَّغُ بِهَا إِلَى مَغْزَاهُ حَرَجٌ، وَهُوَ الْإِثْمُ، يَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ إِثْمٌ إِذَا نَصَحُوا للَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِي مَغِيبِهِمْ عَنِ الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
{مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ}