{ذَلِكَ} المذكور من الأمور الثلاثة، من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، ومن المساكن الطيبة، من الرضوان الأكبر {هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} والظفر الجسيم، لا ما يطلبه المنافقون والكفار، من التنعم بطيبات الدنيا، وعن أبي سعيد الخدري - - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال:"إنَّ الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير كله في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون أي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول أحلُّ عليكم رضواني فلا أسخط بعده عليكم أبدًا"متفق عليه.
73 - {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} الكريم محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ، {جَاهِدِ الْكُفَّارَ} ؛ أي: جاهد المجاهرين بالكفر، بالسيف والسِّنان {و} جاهد {المنافقين} ؛ أي: الساترين كفرهم بإظهار الإِسلام بالحجة واللسان، لا بالسيف، لنطقهم بكلمتي الشهادة {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} ؛ أي: واشدد على كلا الفريقين بالفعل والقول، ولا ترأف عليهم والغلظ: نقيض الرأفة، وهو شدة القلب، وخشونة الجانب، قيل: وهذه الآية نسخت كل شيء من العفو والصلح والصفح المذكور في القرآن.
والأمر للنبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا الجهاد أمرٌ لأمته أو بعده، وجهاد الكفار يكون بمقاتلتهم حتى يسلموا، وجهاد المنافقين يكون بإقامة الحجة عليهم حتى يخرجوا عن النفاق، ويؤمنوا باللهِ تعالى.
والمعنى: يا أيها النبي ابذل جهدك في مقاومة هاتين الطائفتين، اللتين تيعشان بين ظهرانيك، بمثل ما يبذلان من جهد في عداوتك، وعاملهما بالغلظة والشدة، التي توافق سوء حالهما.
وقد اتفق الأئمة على أن المنافقين يعاملون بأحكام الشريعة كالمسلمين الصادقين، فلا يقاتلون إلا إذا ارتدوا، أو بغوا على جماعة المسلمين بالقوة، أو امتنعوا من إقامة شعائر الإِسلام وأركانه، وعن ابن عباس: جهاد الكفار بالسيف، وجهاد المنافقين باللسان؛ أي: بالحجة والبرهان.