قلت: فرق بينهما لأن المؤمنين بينهم أخوة ومودة وتعاون وتراحم، حتى شبه النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعتهم بالجسد الواحد، وبالبنيان يشد بعضه بعضًا، وبينهم ولاية النصرة في الدفاع عن الحق والعدل، وإعلاء كلمة الله تعالى، أما المنافقون فيشبه بعضهم بعضًا في الشكوك والذبذبة، وما يتبعها من الجبن والبخل، وهما يمنعان من التناصر ببذل النفس والمال، وقصارى أمرهم التعاون بالكلام، وما لا يشق من الأعمال، ومن ثم أكْذَبَ الله منافقي المدينة في وعدهم لليهود حلفائهم، بنصرهم على النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين إذا قاتلوهم، في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ...} الآية، ثم بين أوصافهم الحميدة، كما بين أوصاف من قبلهم من المنافقين، فقال: {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} ؛ أي: بما هو معروف في الشرع غير منكر، ومن ذلك توحيد الله سبحانه، وترك عبادة غيره؛ أي: يأمرون غيرهم بالإيمان بالله ورسوله، واتباع ما أمر به {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} ؛ أي: عما هو منكر في الدين والشرع، غير معروف فيه، من الشرك والمعاصي والبدع {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} ؛ أي: يؤدون الصلاة المفروضة، بإتمام الأركان والشرائط {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} ؛ أي: يؤدون الزكاة المفروضة عليهم إلى مستحقيها، وخصَّ إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بالذكر من بين جملة العبادات؛ لكونهما الركنين العظيمين فيما يتعلق بالأبدان والأموال
{وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} فيما يأمرهم به وينهاهم عنه في السر والعلن.
والحاصل: أن الله سبحانه وتعالى وصف المؤمنين في هذه الآية بصفاتٍ خمسٍ، تفاد مثلها في المنافقين:
1 -أنهم يأمرون بالمعروف، والمنافقون يأمرون بالمنكر.
2 -أنهم ينهون عن المنكر، والمنافقون ينهون عن المعروف، وهاتان الخصلتان سياج الفضائل، ومنع فشوِّ الرذائل.
3 -أنهم يؤدون الصلاة على أقوم وجه وأكمله بخشوع وإخبات لله، وحضور القلب في مناجاته، والمنافقون إذا قاموا إلى الصلاة .. قاموا وهم كسالى، يراؤون الناس.