ولكل تفاوت سواء ، وذلك هو رحمانيته ، ولكل أقرب في مدد الحجاب اختصاص وذلك هو رحيميته ، ولكل أبعد في مدد الحجاب بطش منه شديد في رده إلى القرب وتلك هي نقمته ، ولكل من تنزلاته العلية ظاهراً وباطناً أمر خاص ، ولكل أمر خلق ، يرد بيان القرآن لكل خلق بحسب كنه ذاته واختصاص رتبة قربه ومحل بعده ، وأن الله سبحانه جعل آدم وذرأه خليفة له في جميع أمره وتفصيله ، وأنزل القرآن بناء على جملة ذلك ، فأردأ الأحوال لهذا المستخلف المحل الذي سمي فيه بالإنسان ، وهو حيث أنس بنفسه وغيره ونسي عهد ربه ، فيرد لذلك بناؤه بالذم في القرآن {قتل الإنسان ما أكفره} [عبس: 17] {إن الإنسان لربه لكنود} [العاديات: 6] ثم المحل الذي تداركه فيه تنبه لسماع الزجر من ربه ، وهو له بمنزلة سن الميّز لابن سبع ، ولا يقع إلا عن اجتماع وتراء ، وذلك هو السن المسمون فيه بالناس لنوسهم ، أي ترددهم بين سماع الزجر من ربهم وغلبة أهوائهم عليهم ، فيرد لذلك بناؤهم بذم أكثرهم في القرآن {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الأعراف: 187] - {ولا يشكرون} ثم المحل الذي يتحقق لهم قبول وسماع وإيمان لغائب الأمر والخلق ، لكنهم يتزلزلون عنه كثيراً عند كل عارضة نيل خادعة رفعة ، وهو لهم بمنزلة سن المحتلم الذي قد ذاق طعم بدو النطفة من باطنه الناجم العقل للنظر في حقائق المحسوسات ، وذلك هو السن الذي يسعون فيه {الذين آمنوا} وهو أول سن التلقي ، فلذلك جميع آداب القرآن وتعليمه إنما مورده أهل هذا السن ، كان ابن مسعود - رضي الله عنهم - يقول: إذا سمعت الله عز وجل يقول {يا أيها الذين آمنوا} فأعرها سمعك فإنه خير يأمر به أو شر ينهي عنه ، وكما أن ما يخص البالغ العاقل من الخطاب لا يدخل فيه الصبي المميز ، وما يخص المميز لا يدخل فيه البالغ ، كذلك خطاب {الذين آمنوا} لم يصل إليه الناس بعد ، وخطاب الناس قد جاوزه {الذين آمنوا} لأنهم قد انزجروا بما قبلت قلوبهم عما ينزجر