ثم يقول الحق سبحانه: {وَفِي الرقاب} ومعناها العبيد الذين أُسروا في حرب مشروعة . وكانت تصفية الرق من أهداف الإسلام ؛ لذلك جعل من مصارف الزكاة تحرير العبيد . وبعض من الناس يدَّعون أن الإسلام جاء بالرق وأقره . ونقول: لم يأت الإسلام بالرق ؛ لأن الرق كان موجوداً قبيل البعثة المحمدية ، وجاء الإسلام بالعتق ليصفى الرق ، فجعل من فَكِّ الرقبة كفارة لبعض الذنوب .
وجعل من مصارف الزكاة عتق العبيد . وقد نزل القرآن وقت أن كانت منابع الرق متعددة .
وكان من المعتاد في تلك الأيام أن المدين الذي يعجز عن سداد ما عليه من دَيْن ، فالدائن يأخذه أو يأخذ أحد أبنائه كعبد له .
وإذا فُعلَتْ جناية ، فالجاني يأخذ العفو من المجني عليه مقابل أن يعطيه أحد أولاده عبداً . وإذا سُرِق شيء فإن السارق لا يعاقب ، بل يعطي أحد أولاده عبداً للمسروق منه . وكان الأقوياء يستعبدون الضعفاء ؛ فيخطفون نساءهم وأولادهم بالقوة ويبيعونهم في سوق الرقيق ، وهكذا كانت منابع الرق في العالم متعددة ، ولا يوجد إلا مصرف واحد هو إرادة السيد ؛ إن شاء حرر وإن شاء لم يحرر .
وقد كان الرق موجوداً في أوروبا وفي آسيا وفي أفريقيا ووُجِد أيضاً في أمريكا . إذن: كانت هناك منابع متعددة للرق ؛ ومصرف واحد هو إرادة السيد ، وقد كان الرق يتزايد ، وجاء الإسلام والعالمُ غارق في الرق ، لماذا؟
لأن الرق في ذلك الوقت كان يشبه حوضاً تصب فيه صنابير متعددة ، وليس له إلا بالوعة واحدة . ولم يعالج الإسلام المسألة طفرة واحدة ، شأن معظم تشريعات الله ، ولكنه عالجها على مراحل ، تماماً كتحريم الخمر حين بدأ التحريم بالمنع عند الصلاة ، فقال الحق سبحانه وتعالى: {تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ...} [النساء: 43]
ثم حرمها تحرمياً قاطعاً .