ومن يعطي لغير بيت المال قد يكون في عطائه لون من تعالى صاحب اليد العليا ، وكذلك فإن أولاد الفقير لن يروا أباهم وهو ذاهب إلى رجل غني ليأخذ منه الصدقة ويُصَاب بالذلة والانكسار . ولا يرى أولاد الغني هذا الفقير وهو يأتي إلى أبيهم ليأخذ منه الصدقة ؛ فَيتعالَوْنَ على أبناء الفقير . فإن أخذ الفقراء الصدقة من بيت المال ، كان ذلك صيانة لكرامة الجميع ، وإن حدث خلال بين غني وفقير فلن يقول الغني للفقير: أنا أعطيك كذا وكذا ، أو يقول أولاد الغني لأولاد الفقير: لولا أبونا لَمُتُمْ جوعاً .
إذن: فقد أراد الحق سبحانه بهذا النظام أن يمنع طغيان المعطي ، ويمنع - أيضاً - ذلة السؤال ، فالكل يذهب إلى بيت المال ليأخذ أو يعطي . وحين يذهب الفقير ليأخذ من بيت المال بأمر من الوالي فلا غضاضة ؛ لأن كل المحكومين تحت ولايته مسؤولون منه .
ثم يأتي الحق إلى فئة أخرى فيقول: {والمؤلفة قُلُوبُهُمْ} وهم من يريد الإسلام أن يستميلهم ، أو على الأقل أن يكفوا آذاهم عن المسلمين . وكان المسلمون في الزمن الأول للإسلام ضعافاً لا يقدرون على حماية أنفسهم . وعندما أعز الله دولة المسلمين بالقوة والعزة والمكانة ، منع الخليفة عمر بن الخطاب إعطاء المؤلفة قلوبهم نصيباً من الزكاة ؛ لأنه لم يجد أن قوة الإسلام تحتاج أحداً غير صحيحي الإيمان ؛ لذلك لم يدخلهم عمر بن الخطاب في فئات الزكاة .
وقول الحق سبحانه: {والمؤلفة قُلُوبُهُمْ} يثير سؤالاً: هل يُؤلَّف القلب؟ . نقول: نعم ، فالإحسان يؤلف قلب الإنسان السَّوي ، وكذلك يؤلف جوارح الإنسان غير السوي ، فلا يعتدى على من أحسن إليه باللسان أو باليد .