والإرث: مصير مال الميت إلى من هو أولى به ، ويطلق مجازاً على مماثلة الحي مَيتاً في صفات كانت له ، من عزّأ وسيادة ، كما فسر به قوله تعالى حكاية عن زكرياء {فهب لي من لدنك ولياً يرثني} [مريم: 5 ، 6] أي يخلفني في النبوءة ، وقد يطلق على القَدْر المشترك بين المعنيين ، وهو مطلقُ خلافةِ المُنْقَرَضضِ.
وهو هنا محتمل للإطلاقين ، لأنه إن أريد بالكلام أهل مكة فالإرث بمعناه المجازي ، وإن أريد أهل مكة والقبائل التي سكنت بلاد الأمم الماضية فهو مستعمل في القدر المشترك ، وهو كقوله تعالى: {أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105] وأيّاً ما كان فقيْدُ {من بعد أهلها} تأكيدٌ لمعنى {يرثون} ، يراد منه تذكير السامعين بما كان فيه أهل الأرض الموروثة من بحبوحة العيش ، ثم ما صاروا إليه من الهلاك الشامل العاجل ، تصويراً للموعظة بأعظم صورة فهو كقوله تعالى: {ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} [الأعراف: 129] .
ومعنى {لم يهد} لم يرشد ويُبَيْن لهم ، فالهداية أصلها تبيين الطريق للسائر ، واشتهر استعمالهم في مطلق الإرشاد: مجازاً أو استعارة كقوله تعالى: {اهْدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] .
وتقدم أن فعلها يتعدى إلى مفعولين ، وأنه يتعدى إلى الأول منهما بنفسه وإلى الثاني تارة بنفسه وأخرى بالحرف: اللام أو (إلى) ، فلذلك كانت تعديته إلى المفعول الأول باللام في هذه الآية إمّا لتضمينه معنى يُبين ، وإما لتقوية تعلق معنى الفعل بالمفعول كما في قولهم: شكرتُ له ، وقوله تعالى:
{فَهَبْ لي من لدنك ولياً} [مريم: 5] ، ومثل قوله تعالى: {أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم} في سورة طه (128) .
و {أنْ} مخففة من (أنّ) واسمها ضمير الشأن ، وجملة {لو نشاء} خبرها.