القولة التي قالها نوح من قبله ، والتي كذب بها قومه ، فأصابهم ما أصابهم ، واستخلف الله عادا من بعدهم - ولا يذكر هنا أين كان موطنهم ، وفي سورة أخرى نعلم أنهم كانوا بالأحقاف ، وهي الكثبان المرتفعة على حدود اليمن ما بين اليمامة وحضرموت - وقد ساروا في الطريق الذي سار فيه من قبل قوم نوح ، فلم يتذكروا ولم يتدبروا ما حل بمن ساروا في هذا الطريق ، لذلك يضيف هود في خطابه لهم قوله: {أفلا تتقون؟} استنكاراً لقلة خوفهم من الله ومن ذلك المصير المرهوب.
وكأنما كبر على الملأ الكبراء من قومه أن يدعوهم واحد من قومهم إلى الهدى ، وأن يستنكر منهم قلة التقوى ؛ ورأوا فيه سفاهة وحماقة ، وتجاوزا للحد ، وسوء تقدير للمقام! فانطلقوا يتهمون نبيهم بالسفاهة وبالكذب جميعاً في غير تحرج ولا حياء:
{قال الملأ الذين كفروا من قومه: إنا لنراك في سفاهة ، وإنا لنظنك من الكاذبين} ..
هكذا جزافاً بلا تروّ ولا تدبر ولا دليل!
{قال: يا قوم ليس بي سفاهة ، ولكني رسول من رب العالمين. أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين} ..
لقد نفى عن نفسه السفاهة في بساطة وصدق - كما نفى عن نفسه الضلالة - وقد كشف لهم - كما كشف نوح من قبل - عن مصدر رسالته وهدفها ؛ وعن نصحه لهم فيها وأمانته في تبليغها. وقال لهم ذلك كله في مودة الناصح وفي صدق الأمين.
ولا بد أن يكون القوم قد عجبوا - كما عجب قوم نوح من قبل - من هذا الاختيار ، ومن تلك الرسالة ، فإذا هود يكرر لهم ما قاله نوح من قبل ، كأنما كلاهما روح واحدة في شخصين:
{أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم؟} ..
ثم يزيد عليه ما يمليه واقعهم.. واقع استخلافهم في الأرض من بعد قوم نوح ، وإعطائهم قوة في الأجسام وضخامة بحكم نشأتهم الجبلية ، وإعطائهم كذلك السلطان والسيطرة:
{واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ، وزادكم في الخلق بسطة. فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون} ..