والدّعاء في قوله: {وادعوه مخلصين له الدين} بمعنى العبادة أي اعبدوه كقوله: {إن الذين تدعون من دون الله} [الأعراف: 194] .
والإخلاص تمحيض الشّيء من مخالطة غيره.
والدّين بمعنى الطّاعة من قولهم دنت لفلان أي أطعته.
ومنه سمّي الله تعالى: الديَّان ، أي القهّار المذلّل المطوع لسائر الموجودات ونظير هذه الآية قوله تعالى: {وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة: 5] ، والمقصد منها إبطال الشّرك في عبادة الله تعالى ، وفي إبطاله تحقيق لمعنى القِسط الذي في قوله: {قل أمر ربي بالقسط} كما قدمناه هنالك ، و {مخلصين} حال من الضّمير في ادعوه.
وجملة: {كما بدأكم تعودون} في موضع الحال من الضّمير المستتر في قوله: {مخلصين} وهي حال مقدرة أي: مقدّرين عَودكم إليه وأنّ عودكم كبدئكم ، وهذا إنذار بأنّهم مُؤاخدون على عدم الإخلاص في العبادة ، فالمقصود منه هو قوله: {تعودون} أي إليه ، وأدمج فيه قوله: {كما بدأكم} تذكيراً بإمكان البعث الذي أحالوه ؛ فكان هذا إنذاراً لهم بأنّهم عائدون إليه فمُجَازَوْن عن إشراكهم في عبادته ، وهو أيضاً احْتجاج عليهم على عدم جدوى عبادتهم غيرَ الله ، وإثبات للبعث الذي أنكروه بدَفع موجب استبعادهم إياه ، حين يقولون:
{أإذا مِتنَا وكنّا تراباً وعظاماً ءإنّا لمبعوثون} [الواقعة: 47] ويقولون {أينا لمردودون في الحافرة أإذا كنّا عظاماً نَخِرة} [النازعان: 10 ، 11] ونحو ذلك ، بأنّ ذلك الخلق ليس بأعجبَ من خلقهم الأوّل كما قال تعالى: {أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد} [ق: 15] وكما قال: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم: 27] أي بنقيض تقدير استبعادهم الخلق الثّاني ، وتذكير لهم بأنّ الله منفرد بخلقهم الثّاني ، كما انفرد بخلقهم الأوّل ، فهو منفرد بالجزاء فلا يغني عنهم آلهتهم شيئاً.