وأمّا في الآخرة فله الجاه الأعظم والمقام الأكرم في محل الشفاعة حين يُدعا إليها آدمُ فمن دونه من الأنبياء وكُلٌّ يقول: لست لها, فإذا أفضت إليْه قال: أنا لها, فيَسأل اللهَ ثم يسأله فيعطيه ما طلب ويُشَفِّعُه في أهل المحشر فيحاسَبون ويَستريحون من شدّة ما كانوا فيه فيُشَفَّعُ فيهم, ثم إذا صار العصاة من أمّته إلى النار يُشَفَّع فيهم مرّةً بعد مرّة حتى لا يبقى في النار من قال: لا إله إلا الله إلا أُخرج بشفاعته, وذلك المقام المحمود الذي وُعِدَه - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء 79] فيَغبِطُهُ بهذا المقام الأوّلون والآخرون, فأيّ جاه في الدنيا والآخرة أعظم من هذا الجاه, وقد قال قوم من أهل العلم في قوله: {يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء 79] هو أن يُجلسه معه على العرش كما سيأتي, وأما القرب فأيّ منزلة أقرب من منزلة الحبيب, وهل نال أحد ما نال محمد - صلى الله عليه وسلم - من التقريب, أمَا هو الذي خُصّ بدرجة دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى حتى أوحى الله إليه ما أوحى.
فإن قيل: كان (عيسى) سياحاً جَوَّاباً جَوّالاً في البراري وسواحل البحار؟
قلنا: قد أشرنا قبلُ إلى سياحة نبينا - صلى الله عليه وسلم - وأمّته وأنّ منها الجهاد برّاً وبحراً وقد كان منهم ما أشرنا إليه وأضعاف ذلك, فكانت سياحة محمد صلى الله عليه وسلم وبارك أفضل وأكمل, ونفعها أعم وأحسن وأجمل, لأنه حصل في سياحته فتح البلاد وقتل الكفار الذين أظهروا في الأرض الفساد حتى استنفَد عشر سنين في إقامة الدين فتابَعه مالم يُتابِع نبياً قبله في أضعاف تلك المدّة ولا يقاربه, فإن نوحاً لبث في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً فما بلغ من كان معه من المؤمنين في السفينة مائة نفس, فكان محمد - صلى الله عليه وسلم - في مدّة نبوّته إمّا مجاهداً وإمّا مجهّزاً جيشاً أو سريةً أو باعِثاً بَعْثاً في إقامة الدين وإعلاء الكلمة وإبلاغ الرسالة وإسماع الدعوة حتى طبّق الأرض دينُه وذكْرُه وعَمّ البسيطةَ ظُهوره وقهرُه.