ثُمَّ قَرَّرَ دَعْوَتَهُ أَحَسَنَ تَقْرِيرٍ، وَبَيَّنَ أَنَّ رَبَّهُ تَعَالَى وَرَبَّهُمْ، الَّذِي نَوَاصِيهِمْ بِيَدِهِ: هُوَ وَلِيُّهُ وَوَكِيلُهُ، الْقَائِمُ بِنَصْرِهِ وَتَأْيِيدِهِ، وَأَنَّهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَلَا يَخْذُلُ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَآمَنَ بِهِ، وَلَا يُشْمِتُ بِهِ أَعْدَاءَهُ، وَلَا يَكُونُ مَعَهُمْ عَلَيْهِ، فَإِنَّ صِرَاطَهُ الْمُسْتَقِيمَ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ - فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ - يَمْنَعُ ذَلِكَ وَيَأْبَاهُ.
وَتَحْتَ هَذَا الْخِطَابِ أَنَّ مِنْ صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ أَنْ يَنْتَقِمَ مِمَّنْ خَرَجَ عَنْهُ وَعَمِلَ بِخِلَافِهِ، وَيُنْزِلَ بِهِ بِأْسَهُ، فَإِنَّ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ هُوَ الْعَدْلُ الَّذِي عَلَيْهِ الرَّبُّ تَعَالَى، وَمِنْهُ انْتِقَامُهُ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْإِجْرَامِ، وَنَصْرُهُ أَوْلِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، وَأَنَّهُ يَذْهَبُ بِهِمْ، وَيَسْتَخْلِفُ قَوْمًا غَيْرَهُمْ، وَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ شَيْئًا، وَأَنَّهُ الْقَائِمُ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حِفْظًا وَرِعَايَةً وَتَدْبِيرًا وَإِحْصَاءً.
فَأَيُّ آيَةٍ وَبُرْهَانٍ وَدَلِيلٍ أَحْسَنُ مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَبَرَاهِينِهِمْ وَأَدِلَّتِهِمْ؟ وَهِيَ شَهَادَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَهُمْ، بَيَّنَهَا لِعِبَادِهِ غَايَةَ الْبَيَانِ، وَأَظْهَرَهَا لَهُمْ غَايَةَ الْإِظْهَارِ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا وَقَدْ أُوتِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .