وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {قَائِمًا بِالْقِسْطِ} [آل عمران: 18] هُوَ كَقَوْلِهِ: {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود: 56] وَقَوْلُهُ {قَائِمًا بِالْقِسْطِ} [آل عمران: 18] نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي"شَهِدَ اللَّهُ"وَالْعَامِلُ فِيهَا الْفِعْلُ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا: شَهِدَ اللَّهُ حَالَ قِيَامِهِ بِالْقِسْطِ: أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ حَالٌ مِنْ قَوْلِهِ"هُوَ"وَالْعَامِلُ فِيهَا مَعْنَى النَّفْيِ، أَيْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، حَالَ كَوْنِهِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ، وَبَيْنَ التَّقْدِيرَيْنِ فَرْقٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ التَّقْدِيرَ الْأَوَّلَ: يَتَضَمَّنُ أَنَّ الْمَعْنَى:"شَهِدَ اللَّهُ"مُتَكَلِّمًا بِالْعَدْلِ، مُخْبِرًا بِهِ، آمِرًا بِهِ، فَاعِلًا لَهُ، مُجَازِيًا بِهِ - أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَإِنَّ الْعَدْلَ يَكُونُ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَالْمُقْسِطُ هُوَ الْعَادِلُ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، فَشَهِدَ اللَّهُ قَائِمًا بِالْعَدْلِ - قَوْلًا وَفِعْلًا - أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَفِي ذَلِكَ تَحْقِيقٌ لِكَوْنِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ شَهَادَةَ عَدْلٍ وَقِسْطٍ، وَهِيَ أَعْدَلُ شَهَادَةٍ، كَمَا أَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ أَعْدَلُ شَيْءٍ، وَأَصَحُّهُ وَأَحَقُّهُ، وَذَكَرَ ابْنُ السَّائِبِ وَغَيْرُهُ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ مَا يَشْهَدُ بِذَلِكَ، وَهُوَ «أَنَّ حَبْرَيْنِ مِنْ أَحْبَارِ الشَّامِ قَدِمَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلَمَّا أَبْصَرَا الْمَدِينَةَ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْمَدِينَةِ بِمَدِينَةِ النَّبِيِّ الَّذِي يَخْرُجُ فِي آخِرِ