قال الحسن: إظهار الزكاة أحسن ، وإخفاء التطوّع أفضل ؛ لأنه أدلّ على أنه يراد الله عز وجل به وحده.
قال ابن عباس: جعل الله صدقة السر فِي التطوّع تفضُل علانيتها يقال بسبعين ضِعفاً ، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سِرِّها يقال بخمسة وعشرين ضِعفاً.
قال: وكذلك جميع الفرائض والنوافل فِي الأشياء كلها.
قلت: مثل هذا لا يقال من جهة الرأي وإنما هو توقيف ؛ وفي صحيح مسلم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أفضل صلاة المرء فِي بيته إِلا المكتوبة"وذلك أن الفرائض لا يدخلها رياء والنوافل عُرضة لذلك وروى النَّسائيّ عن عُقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن الذي يجهر بالقرآن كالذي يجهر بالصدقة والذي يُسِرّ بالقرآن كالذي يُسِرّ بالصدقة"وفي الحديث:"صدقة السرّ تُطْفِيء غضب الربّ".
قال ابن العربيّ:"وليس فِي تفضيل صدقة العلانية على السر ، ولا تفضيل صدقة السر على العلانية حديث صحيح ولكنه الإجماع الثابت ؛ فأمّا صدقة النفل فالقرآن ورد مصرّحاً بأنها فِي السر أفضل منها فِي الجهر ؛ بَيْدَ أن علماءنا قالوا: إن هذا على الغالب مخرجه ، والتحقيق فيه أن الحال (فِي الصدقة) تختلف بحال المُعْطِي (لها) والمعطَى إياها والناس الشاهدين (لها) ."
أما المعطي فله فيها فائدة إظهار السُّنَّة وثواب القدوة.
قلت:"هذا لمن قَوِيت حاله وحسنت نيّته وأمِن على نفسه الرياء ، وأما من ضعف عن هذه المرتبة فالسرّ له أفضل."
وأما المُعْطَى إياها فإن السرّ له أسلم من احتقار الناس له ، أو نسبته إلى أنه أخذها مع الغنَى عنها وتَرَك التعفّف ، وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم ، من جهة أنهم ربما طعنوا على المعطِي لها بالرياء وعلى الآخذ لها بالاستغناء ، ولهم فيها تحريك القلوب إلى الصدقة ؛ لكن هذا اليوم قليل"."