وقوله: {مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} قال أبو روق: {سَنَسْتَدْرِجُهُم} أي كلما أذنبوا ذنباً جددنا لهم نعمة وأنسيناهم الاستغفار ، فالاستدراج إنما حصل في الاغتناء الذي لا يشعرون أنه استدراج ، وهو الإنعام عليهم لأنهم يحسبونه تفضيلاً لهم على المؤمنين ، وهو في الحقيقة سبب لهلاكهم.
وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45)
أي أمهلهم كقوله: {إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً} [آل عمران: 178] وأطيل لهم المدة والملاوة المدة من الدهر ، يقال: أملى الله له أي أطال الله له الملاوة والملوان الليل والنهار ، والملأ مقصوراً الأرض الواسعة سميت به لامتدادها.
وقيل: {وَأُمْلِى لَهُمْ} أي بالموت فلا أعاجلهم به ، ثم إنه إنما سمى إحسانه كيداً كما سماه استدراجاً لكون في صورة الكيد ، ووصفه بالمتانة لقوة أثر إحسانه في التسبب للهلاك ، واعلم أن الأصحاب تمسكوا بهذه الآية في مسألة إرادة الكائنات ، فقالوا: هذا الذي سماه بالاستدراج وذلك الكيد ، إما أن يكون له أثر في ترجيح جانب الفعل على جانب الترك ، أو يكون له فيه أثر ، والأول باطل ، وإلا لكان هو سائر الأشياء الأجنبية بمثابة واحدة ، فلا يكون استدراجاً ألبتة ولا كيداً ، وأما الثاني فهو يقتضي كونه تعالى مريداً لذلك الفعل الذي ينساق إليه ذلك الاستدراج وذلك الكيد ، لأنه إذا كان تعالى لا يزال يؤكد هذا الجانب ، ويفتر ذلك الجانب الآخر ، واعلم أن تأكيد هذا الجانب لا بد وأن ينساق بالآخرة إلى فعله ودخوله في الوجود ، فلا بد وأن يكون مريداً لدخول ذلك الفعل في الوجود وهو المطلوب ، أجاب الكعبي عنه فقال: المراد سنستدرجهم إلى الموت من حيث لا يعلمون ، وهذا هو الذي تقتضيه الحكمة فإنهم لو عرفوا الوقت الذي يموتون فيه لصاروا آمنين إلى ذلك الوقت ولأقدموا على المعاصي.