وذكر الوسم والخرطوم فيه ما فيه من الذم، لأن فيه جمعا بين التشويه الذي يترتب على الوسم السّيّئ، وبين الإهانة، لأن كون الوسم في الوجه بل في أعلى جزء من الوجه وهو الأنف .. دليل على الإذلال والتحقير.
ومما لا شك فيه أن وقع هذه الآيات على الوليد بن المغيرة وأمثاله، كان قاصما لظهورهم،
ممزقا لكيانهم، هادما لما كانوا يتفاخرون به من أمجاد زائفة، لأنه ذم لهم من رب الأرض والسماء، الذي لا يقول إلا حقا وصدقا.
كذلك كانت هذه الآيات تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ولأصحابه، عما أصابهم من أذى، من هؤلاء الحلافين بالباطل والزور، المشائين بين الناس بالنميمة، المناعين لكل خير وبر.
وبمناسبة الحديث السابق الذي فيه إشارة إلى المال والبنين، اللذين كانا من أسباب بطر هؤلاء الكافرين وطغيانهم .. ساق القرآن بعد ذلك قصة أصحاب الجنة، لتكون موعظة وعبرة لكل عاقل، فقال - تعالى -:
[سورة القلم (68) : الآيات 17 إلى 33]
(إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ(17)
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: هذا مثل ضربه الله - تعالى - لكفار قريش، فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة، وأعطاهم من النعم الجسيمة، وهو بعثه محمدا صلى الله عليه وسلم إليهم فقابلوه بالتكذيب والمحاربة ..
وقد ذكر بعض السلف: أن أصحاب الجنة هؤلاء كانوا من أهل اليمن كانوا من قرية يقال لها: «ضروان» على ستة أميال من صنعاء .. وكان أبوهم قد ترك لهم هذه الجنة، وكانوا من أهل الكتاب، وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة، فكان ما استغله منها يرد فيها ما يحتاج إليه، ويدخر لعياله قوت سنتهم، ويتصدق بالفاضل.
فلما مات وورثه أولاده، قالوا: لقد كان أبونا أحمق، إذ كان يصرف من هذه الجنة شيئا للفقراء، ولو أنا منعناهم لتوفر ذلك لنا، فلما عزموا على ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم، فقد أذهب الله ما بأيديهم بالكلية: أذهب رأس المال، والربح .. فلم يبق لهم شيء .. .
وقوله - سبحانه -: بَلَوْناهُمْ أي: اختبرناهم وامتحناهم، مأخوذ من البلوى، التي تطلق على الاختبار، والابتلاء قد يكون بالخير وقد يكون بالشر، كما قال - تعالى -: