وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ(8)
وقال في موضع آخر: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) ، ليس في قوله: (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) أمر من اللَّه تعالى بأن يطيع المصدقين؛ لأن من صدقه وآمن به لا يجوز له أن يتقدم بين يديه فيأمره أو ينهاه عن
أمر، ويدعوه إلى الطاعة، بل ينظر إلى أمر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ونهيه؛ فيأتمر بأمره، ويطيعه فيما يدعوه إليه، وأما من كذبه، فقد يدعوه إلى طاعته؛ فخص ذكر المكذب عندما نهاه عن طاعته؛ لأن الدعاء إلى الطاعة لا يوجد من المصدق دون أن يتضمن قوله: (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) أمرا بطاعة المصدق؛ وهو كقوله - تعالى -: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ) ، فليس فيه أنه إذا لم يخش الإملاق يسعه قتله، ولكنه خص تلك الحالة؛ لأن تلك الحالة هي التي كانت تحملهم على القتل، ولم يكونوا يقدمون على القتل عند الأمن من الإملاق، وفي هذا دلالة إبطال قول من قال بأن تخصيص الشيء بالذكر يدل على أن الحكم فيما غايره بخلافه، واللَّه أعلم.
وقوله: (الْمُكَذِّبِينَ) هم المكذبون بآيات اللَّه تعالى أو بوحدانيته أو برسله أو بالبعث.
ثم يجوز أن يكون هذا الأمر منهم في أول الأحوال؛ فكانوا يطمعون من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - الإجابة لهم فيما يدعونه إليه؛ إذ كانوا يرجون منه الموافقة لهم بما يبذلون له من المال؛ فيكون النهي راجعًا إلى ذلك الوقت، فأما بعدما ظهرت منه الصلابة في الدِّين والتشمير لأمر اللَّه تعالى فلا يحتمل أن يطيعهم أو يخاف منهم ذلك فينهى عنه.
وجائز أن يكون دعاؤهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ما ذكر من قوله: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) والمداهنة هي الملاطفة والملاينة في القول.