ولكنّ علته"وقد يكون الشيء متقناً محكماً، ولا يكون حلواً مقبولاً. ويكون جيداً وثيقاً، وإن لم يكن لطيفاً رشيقاً. وقد نجد الصورة الحسنة والخلقة التامة مقلية ممقوتة، وأخرى دونها مستحلاة مومقة. ولكل صناعة أهل يرجع إليهم في خصائصها، ويستظهر بمعرفتهم عند اشتباه أحوالها".
ولقد كان القاضي الجرجاني ذكياً حين أشار إلى أن لكل صناعة أهلاً ينبغي استشارتهم والأخذ برأيهم فيها.
لعل هذا كله يدفعنا إلى القول: إنه ليس من السهل معرفة عبقرية النص القرآني بجانبيه البنائي والمحتوائي إلا لمن كان له بيان، أو عانق النص وهو متسلّح بالمناهج القادرة على استجلاء مكتومات النص الجمالية. ينضاف إلى ذلك معرفته الكاملة بعلوم القرآن (تلاوة وتفسيراً) . وفوق كل ذا وذاك، توفر باحث المتن القرآني على قدر كاف من حب لهذا النص واستظهار لآياته وتقديس لما جاء به.
ويمكن القول: إن سر، جمال هذه القصة يكمن في مكوِّنها الإيقاعي الثري المتنوع. كما رأينا. لا جرم أن كثيراً من المشتغلين في حقل الإجرائية اللغوية يرون في الإيقاع، أنه من الأمور الصعبة التي لا يمكن معالجتها وتحديد معالمها. وإن كانوا حاولوا حراسة حدود الجمالية الإيقاعية، حيث وضعوا قوانين واعتبروها قاعدة تنسحب على كل نص إبداعي وإليها يعزى اكتشاف الإيقاع. وهي سبعة"النظام -التغير -التساوي - التوازي - التلازم - التوازن -التكرار"وإن كانت هذه القوانين -في حقيقتها - مجرد مساعدة للحكم على الآثار الأدبية، فإن جمالية الإيقاع في القرآن لا تسعها هذه القوانين و لا تحدها.
وبهذه الدراسة السيميائية لمكونات الخطاب السردي في قصة الوليد، يكون النص القرآني قد بلغ المدى في دقة التصوير وجمال الإيقاع وإعجازية التركيب مما يدفع إلى الإعجاب والانبهار.