ولعلنا في استخدامنا للجداول والأرقام لم نكن ننشد إلا تجلية ما كان خفياً وراء هذه الدلالات القصصية. غير أن"حضورها في النص يتداخل مع الإشارات اللغوية الصوتية، ويجعل الكتابة تمتلك قيماً غير قابلة للانتقال إلى الشفوي"، الأمر الذي جعل النص القصصي القرآني مخزوناً دلالياً، كل عبارة فيه تفترض أن تحمل دلالات معينة، وكل إيقاع فيه يعكس دلالة النص التي سيق فيها هذا الإيقاع، وكل سرد يتخذ مستوى متميزاً يجسد الصورة التي عليها القصة القرآنية. وكل شخصية فيه نتوقع لها بناءً خاصاً بها يفرضه المضمون الذي يرافقها. وكل هذا التلون يمثل في نهاية الأمر إنتاجاً دلالياً عبقرياً.
خامساً: المكوِّن الزمني:
الزمن أحد العناصر الإجرائية المشكلة للحمة الخطابية في القصة القرآنية، شأنه شأن الحدث واللغة والشخصية والحيز وغيرها من مكوّنات الخطاب السردي، ما ظهر منها وما بطن.
غير أن الزمن - بحكم الموقع المتميز الذي يحتله - في منظومة السردية الجديدة، فإنه يظل ينظر إليه بوصفه الشظية الأولى لتشكيل الغورية النصية.
أما كيف يفهم المتلقي التفعيل الزمني - بالصورة التي خولتها له الكتابة السردية الجديدة - فإن هذا يظل سؤالاً قائماً، إجابته مشروطة بكل تغيير يلحقه مما يقتضي وعياً مغايراً ورؤيا مناسبة للتغيير الذي يلحق الزمن.
إن مثل هذا الوعي يمثل مطمحاً جديداً يسعى إلى الخروج بالزمن من معهوديته العتيقة إلى رحابة دلالية تحيله إلى كون زمني يزخر بالدلالات.
يعتبر الزمن ظاهرة أدبية وفلسفية تتجلى بصورة خاصة في نتاجات أدباء هذا العصر (إبداعاً وتنظيراً) لأن إشكاليته تنبع من داخله، فهو لم يعد ذلك الزمن المحصور في المجالات النحوية المعروفة، بل اغتدى زمناً مطلقاً مفتوحاً مثل الوجود.
إننا لا نستطيع وضع تعريف مقنن من شأنه ضبط ماهية الزمن، ولعل الأمر في غاية اليسر إذا علمنا أن الزمن يخضع للتجريد.