إن هذا المعطى الوجودي الكوني متحسَّس ومستقر - بحضوره الحسي - في الذهنية الإنسانية. على عكس حضوره التجريدي الذي لا يرقى إلى التماثل والظهور إلا في تصورات الفلاسفة ومن ينحى منحاهم، بعيداً عن ذهنية العامة وإسفاف الدهماء.
إن الزمن في استقطاب مستمر لكل مظاهر التفاعلات التي تنشأ عن العلوم الإنسانية. فهو زمن نحوي مرة، وفلسفي أخرى ورياضي ثالثة، وفني رابعة. وهكذا لا يستقر على حال.
ولعل هذا يكون سبباً كافياً في تعقيديته وتشاكله.
غير أن الزمن الفني - بطروحه المعقدة - هو الظاهرة والمفارقة، لما فيه من ضبابية وغموض. وفي هذا السياق يقول أَنْدري بريتون"إن أرثور كرافان Arthur Cravan. قد طرح سؤالاً محيراً على الأديب الفرنسي أَنْدري جيد A. Gide: السيد جيد: أين نحن الآن بالنسبة للزمن؟ السادسة إلا ربع (أجابه بدون خبث) ، ويضيف بريتون آه. يجب أن نعترف أننا سيئون جداً مع الزمن".
فهو ضمنياً يشير إلى ضرورة إعادة النظر في المفاهيم المتعلقة بالزمن والتي استقر عليها عرف النحاة، ودرجت عليها ضمائر المشتغلين في حقلي النقد والفلسفة. فالزمن شيء آخر غير ما نعرف ونعهد.
ولعل الذي يجسد الصعوبة الزمنية، هو حتى هذا الزمن الذي يسمى تقليدياً، نجده يتسم بالغموضية والتعتيم. من ذلك مثلاً اليوم. فهو - في عرفنا - محكوم بالساعات. والساعة الواحدة فيه مختلفة تبعاً لاختلاف الأحوال والظروف.
فالساعة - صيفاً - زمن طويل. وهي ذاتها - شتاء - زمن قصير.
غير أن المدهش هو أن الساعة الواحدة في تشاكلها - صيفاً وشتاء - عند تحسسنا لها تغتدي زمناً ذا شقين مختلفين. بحيث ألفيناها تطول عند شخص، وتقصر عند آخر.
ولعل مظاهر الطول تتبدى في ليالي المتيمين المحصورين في دائرية الوجد وفرط الصبابة.
وفي هذا السياق يقول المتنبي:
"ليالي بعد الظاعنين شُكُولُ ... * ... طوالٌ وليل العاشقين طويلُ"