وقد قال الله تبارك وتعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلّم -: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} أي عظيم القدر، لا يكون مثله إلا للأنبياء.
والأغلب أن الخلق توصف بالكريم دون العظيم، لكن الوصف بالكريم يراد به الثناء على صاحبه بالسماحة والديانة.
ولم يكن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - مقصوراً على هذا، بل كان رحيماً بالمؤمنين، رفيقاً بأولياء الله أجمعين، غليظاً على الكافرين شديداً على المخالفين.
لا يغضب لنفسه ولكن يغضب لربه أشد الغضب حتى ينتقم له.
وكان مهيباً في صدور الأعداء منصوراً بالرعب ينهزم العدو منه مسيرة شهر فرقا منه.
فلم يكن من حقه أن يقتصر في وصف خلقه على الكريم بل كان الوصف العظيم أولى به ليدخل فيه الأنعام والانتقام معاً، والغلظ والشدة جميعاً، ويعلم أنه لم يكن يتصرف راجي خير منه بيأس ولا يسلم له عدو من بأس.
وقال سعد بن هشام: قلت لعائشة رضي الله عنها، أخبريني عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت بلى.
قالت: إنه كان خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - .
قال بعض العلماء: المعنى شاهداً أن خلقه كان ما أمر الله تعالى في القرآن من الاجتهاد في طاعته والخضوع له والانقياد لأمره والتشدد على أعدائه، والتواضع لأوليائه ومواساة عباده، وإرادة الخير لهم والحرص على نجاتهم، الاحتمال لأذاهم والقيام على مصالحهم وإرشادهم إلى ما يجمع خير الدارين لهم، والحلم على جهالهم وخفض الجناح لهم، والتعفف عن أموالهم.
لم يتغير في حال من الأحوال، ولا زمن من الأزمان عن ذلك، ولم يؤخذ خلق محمود إلا وهو أول الناس حظاً منه، ولا خلق مذموم إلا وهو أبعد الناس عنه.
وفي بعض الروايات أن عائشة رضي الله عنها لما قالت: كان خلقه القرآن.
قرأت العشر الآيات من أول سورة المؤمن إن كان خلقه على ما ذكر في هذه السورة.
وأبين من هذا أنه إذا حيل بيان خلقه على القرآن أن يقال: كان في خلافه وما جمله الله بقوله: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .