وقد توقَّعَ بعضُ العلماءِ أنّ معالمَ الأرضِ تنطبعُ في ذاكرةِ هذا الطّيْرِ، فهو يعرفُها، ويهتدي بها، وهذه فرضيّةٌ، فجاءَ عالمٌ آخرُ، ونَقَضَ هذه الفرضيّةَ، بأنْ جاء بِحمامٍ زاجلٍ، وعَصَبَ عينيه، وأطلقَه فانطلقَ إلى هدفِه، فأينَ تلك المعالمُ؟ وأين الذاكرةُ؟ مع أنّه قد عُصِبَتْ عيناه فقد انطلقَ إلى هدفِه.
فرضيّةٌ ثانيةٌ: أنّه يشكِّلُ مع الشّمسِ زاويةً يهتدي بها إلى موطنِه، فلما قيل: يطيرُ في الليلِ؟ وكيف يهتدي إلى هدفِه، وهو يطيرُ ليلاً؟ نُقِضَتْ هذه النظريّةُ.
نظريةٌ ثالثةٌ: أنّهم توقّعوا وجودَ جهازِ رادارٍ في دماغِه يهديه إلى الهدفِ، فوضَعوا على رأسِه جهازاً صغيراً كهربائيّاً يصدرُ إشاراتٍ كهربائيّةً من أجلِ أنْ تشوّشَ عليه، ومع ذلك وصلَ إلى هدفِه.
ثم توقّعوا أنّه يهتدي إلى أهدافِه عن طريقِ الساحةِ المغناطيسيّةِ التي في الأرضِ، فوضعوا على رأسِه حلقاتٍ حديديّةً ممغْنَطَةً باتجاهاتٍ مختلفةٍ من أجلِ تشويشِ هذه الساحةِ، فاهتدى إلى هدفِه.
ولم تبْقَ عندهم نظريةٌ إلا نُقِضَتْ، فكيف يقطعُ هذا الطائرُ عشراتِ الآلافِ من الأميالِ فوق البحر، وفوق الجبال، وفي الصحراءِ، والوديان؟ وكيف يأخذُ زاويةً باتّجاهِ الهدفِ؟ هذا سرٌّ لا يزالُ يُحَيّرُ عقولَ العلماءِ، وقد قالَ أحدُ العلماء:"إنّ شيئاً ما يوجّهُ الطيورَ إلى موطنِها"، قال تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 50] .
وأصحُّ تفسيرٍ لهذا الموضوع أنّ الأمر يتعلَّقُ بهدايةِ اللهِ سبحانه وتعالى: قال تعالى: {سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى * الذي خَلَقَ فسوى * والذي قَدَّرَ فهدى} [الأعلى: 1 - 3] .