على كلٍّ فَقَدِ استخدمَ السلطانُ نورُ الدين الحمامَ لنقلِ رسائِلِه بين دمشقَ والقاهرة، حيث كان البريدُ يُنقَل عن طريقِ الحمامِ، وكان اسمُ السلطانِ يُنقَشُ على المنقارِ الأحمر لهذا الحمامِ، وكان له وَرَقٌ خاصٌّ يحملُه لينقلَ به الرسائلَ ذات الوزنِ الخفيفِ نسبياً، وكانَ يَستخدِمُ هذا السلطانُ ألفين من الحمامِ لنقلِ الرسائلِ بينه وبين عمّالِه في الأمصارِ.
إنّ ثمّةَ لُغْزاً كبيراً جدّاً ما زالَ إلى اليوم يُحيّرُ الباحثين، كيفَ يهتدي هذا الحمامُ الذي خَلَقَه اللهُ سبحانه وتعالى إلى هدفِه؟ وما الطريقةُ التي يستخدمُها؟ ويسألُ العلماءُ: كيف يستدلُّ الحمامُ على طريقِه الطويلِ في السّفرِ؟ ولا تَنْسَوْا أنّ الحمامَ يُعَدُّ أوّلَ وكالةِ أنباءٍ في التاريخِ، فقد كان يُستخدَمُ عندَ الشّعوب كلِّها؛ الإغريقِ، واليونانِ، والرومانِ، وعند العربِ، وفي كلّ العصورِ، فقد كان يُستخدَمُ لِنَقلِ الرسائلِ، وإيصالِ الأنباءِ، وقد استخدَمَتْهُ بعضُ الدُّوَلِ الغربيّةِ كهولندة لإبلاغِ الأوامرِ إلى جزيرة سُومطرة في أندونيسة، (جنوبيّ شرقيّ آسية) ، يقطعُ مسافاتٍ تزيدُ على سبعةَ عشر ألف كيلو متر تقريباً، لكن السؤالُ الذي يحيِّرُ العقولَ: كيف يهتدِي هذا الطائرُ عبْرَ هذه المسافاتِ الطويلةِ، التي يعجز عن الاهتداءِ إليها أذكَى طيّارٍ على وجهِ الأرضِ بالنَّظَر؟ فلا بدّ مِن إشاراتٍ، ولا بدّ مِن إحداثياتٍ، وخرائطَ، وبثٍّ مستمرٍّ يحدّدُ له في أيِّ موقعٍ هو على سطحِ الأرضِ؟ إنها رحلةٌ طويلةٌ مِن غربيّ أوربة إلى جنوبيّ شرقيّ آسية، فكيف يوصِلُ طائرٌ صغيرٌ رسالةً إلى أبعدِ مكانٍ؟ وكيف تعملُ الحاسّةُ التي توجّهُ الطائرَ نحو طريقِهِ؟ قالَ العلماءُ:"إنّ شيئاً مَا يوجِّهُ هذه الطّيورَ إلى أهدافِها لا نعرفهُ".