وهذا أخذه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من ظاهر الآية؛ إذ اقتصر فيها على الإيمان, وهو خلاف ما عليه الجمهور من أنَّه لا فرق في عدم قبول التوبة بعد طلوع الشمس من المغرب وبين الكافر والمسلم، والأحاديث المذكورة ناطقة نص فيها فيجب المصير إليها.
أمَّا الصغير إذا بلغ بعد طلوع الشمس من مغربها، فأسلم، قبل إسلامه قطعًا؛ فإنَّه مفطور على الإِسلام، وقد استصحب الفطرة، وأمَّا إذا كفر بعد البلوغ أو أذنب، فلا يُقبل منه الإِسلام ولا التوبة كغيره.
قال أهل العلم: وإنَّما لا ينفع نفسًا إيمانها ولا توبتها وقت طلوع الشمس من المغرب لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما يخمد منه كل شهوة، ويفتر منه كل قوة، فيصير الناس كلهم لإيقانهم بقرب الساعة كحال من حضره الموت، وغرغر بالروح في انقطاع الدَّواعي إلى المعصية بكل أنواعها وبطلانها من أبدانهم، ومن مات في مثل هذه الحالة لم تقبل توبته.
ثم إنَّ من عاين الآية المذكورة قبل الإيمان والتوبة لمَّا كان علمه بالله ورسوله ووعيده قد صار ضرورياً لم يقبل إيمانه وتوبته وإن امتدت
حياته بعد ذلك؛ إذ رُوي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها مئة وعشرين سنة حتى يغرس النخل.
وهذا ذكره القرطبي، وإنما يُروى عن عبد الله بن عمرو بن العاص كما أخرجه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
قال القرطبي: وإن امتدت أيام الدنيا إلى أن ينسى الناس من هذا الأمر العظيم ما كان ولا يتحدثوا عنه إلا قليلاً، فيصير الخبر عنه خاصًّا، وينقطع التواتر عنه، فمن أسلم بعد ذلك، أو تاب قُبِل منه؛ والله أعلم.
قلت: لكنَّ الظاهر أن هذا لا يكون؛ إذ ورد أن باب التوبة يغلق لطلوعها من مغربها, ولم يرد أنه يفتح بعد ذلك.