وروى الإِمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وغيرهم عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يُؤْتَىْ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ: اعْرِضُوْا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوْبِهِ، فَيُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُهَا وَيُنَحَّى كِبَارُهَا، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذا كَذَا وَكَذَا، وَهُوَ يُقِرُّ لَيْسَ يُنْكِرُ، وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنَ الْكبَارِ أَنْ تَجِيْءَ، فَيُقَالُ: أَعْطُوْهُ مَكَانَ كُلِّ سَيئةٍ عَمِلَهَا حَسَنَةً، فَيَقُوْلُ: إِنَّ ليْ ذُنُوْبًا لاَ أَرَاهَا هُنَا".
قال: فلقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضحك حتى بدت نواجده.
يعني: تعجبًا من إشفاق هذا أولًا من كبار ذنوبه أن تذكر له، ثم صار بعد ذلك يذكرها طمعًا في تبديلها حسنات كالصغائر.
وقد يُفهم من الحديث أن الكبائر لا تُبدَّل حسنات.
والآية تدل على أنها تُبدل لأنها جاءت بعد ذكر عظائم السيئات
من الشرك، والقتل، والزنا.
والألف والسلام في (الرجل) في الحديث للعهد؛ أي: للرجل المؤمن التائب العامل الصالحات، وهو المعهود في الآية الكريمة.
وروى عبد بن حميد، وابن المنذر عن أبي عثمان النهدي رحمه الله تعالى قال: إنَّ المؤمن يُعطى كتابه في ستر من الله فيقرأ سيئاته، فإذا رآها تغير لها لونه حتى يمر بحسناته فيقرؤها، فيرجع إليه لونه، ثم ينظر فإذا سيئاته قد بُدّلت حسنات، فعند ذلك يقول: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} [سورة الحاقة: 19] .
وروى البزار، والطبراني - واللفظ له - قال المنذري: وإسناده جيد قوي - قلت: وله شواهد - عن أبي طَويل شَطَبٍ الممدودِ رضي الله تعالى عنه: أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أرأيت من عمل الذنوب كلها ولم يترك منها شيئًا، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجَّة إلا أتاها، فهل له من توبة؟
قال:"فَهَلْ أَسْلَمْتَ؟".
قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وأنَّك رسول الله.
قال:"تَفْعَلُ الخَيرَاتِ وَتَتْرُكَ السيئاتِ، فَيَجْعَلُهُنَّ اللهُ لَكَ خَيرَاتٍ كُلهُنَّ".
قال: وغدراتي، وفجراتي؟
قال:"نعَمْ".
قال: الله أكبر، فما زال يُكبر حتى توارى.