وهذه غاية تدل على أن المتقلِّب في الدنيا بين التوبة والاستغفار لا ينكب في دنياه ونعمته حتى يستوفي أجله؛ وان حصل له في أثناء ذلك محنة فإنما هي لتمام التقصير، أو للترقية في المقام لقوله - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيرًا يُصب مِنْهُ".
وفي الآية دليل على أن حفظ النعمة على العبد - خصوصاً عند موته - صالحة عظيمة، ولذلك جعلها الله تعالى ثواباً للعبد على التوبة
والاستغفار، ولما كان أكثر أصحاب الأموال يغفلون في نعمهم ونعيمها ورغدها عن الله تعالى وعن طاعته، وينهمكون في معاصيه لو لم يكن إلا منع الزكوات والحقوق كان من عقاب أكثرهم ابتلاؤهم بالفقر والحاجة خصوصا عند الموت، وفي أواخر العمر عند الهرم والضعف، فأعظم نعمة في الدنيا سبوغ النعمة في أواخر العمر، ولذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في دعائه:"اللهُمَّ اجْعَلْ أَوْسعَ رِزْقِكَ عَلَيَّ عِنْدَ كِبَرِ سِنِّي وَانْقِطَاعِ عُمُرِيْ". رواه الحاكم وصححه، من حديث عائشة رضي الله عنها.
ولا يتنعم العبد بسعة رزقه إلا إذا قنع به ولم تتشوف نفسه إلى الزيادة؛ فإنه متى لم يقنع وتشوَّف إلى الزيادة انفتح عليه باب الطمع، فلا يتلذذ بما هو فيه، بل يتعذب بالتطلع إلى غيره، ومن هنا كانت القناعة كنزاً لا يَفنى، وكان القنع غنى.
وروى الأصبهاني في"الترغيب"عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو:"اللهُمَّ قَنِّعْنيْ بما رَزَقْتَنيْ، وَبَارِكْ ليْ فِيْهِ، وَاخْلُفْ عَلَيَّ كُلَّ غَائِبَةٍ بخَيرٍ".
واعلم أنَّ العبد ما دام في نعمته ناظراً إلى أنها من الله تعالى بمحض الفضل ليس له فيها حول ولا قوة مستعيذاً بالله أن يَكِلَه بها إلى نفسه كان في أمْنٍ من زوالها.
وعندي أن الأحسن أن يكون هاء الضمير في قوله: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [سورة هود: 3] ، عائدًا إلى ربكم في الآية؛ فإنَّ الثواب في نفسه فضل من الله تعالى.