ومن هنا تظهر لك الحكمة في طلب التوبة من جميع المؤمنين بقوله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة النور: 31] ؛ إذ لا يخلو المؤمن من تقصير في طاعة الله تعالى وغفلة عن ذكره.
ثمَّ هو في طاعته وذكره عاجز عن بلوغ حقه مقصر في طاعته، فكانت التوبة مطلوبة من كل واحد من المؤمنين في كل وقت من أوقاته، وحال من حالاته؛ ليكون تقصيره مستوراً وذنبه مغفوراً؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم:"التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَه".
رواه ابن ماجه، وغيره عن أنس - رضي الله عنه -، والطبراني، والحكيم الترمذي عن أبي سعيد - رضي الله عنه -، والبيهقي، وابن عساكر عن ابن عباس - رضي الله عنهما -.
فالتائب من التقصير كمن لم يقصر أصلاً، فلا يتم لمؤمن مقام إلا بالتوبة من تقصيره في ذلك المقام، وبالتوبة ينال العبد تمام المحبة من الله تعالى؛ لأنَّ العبد كلما كان كاملاً في عبادة الله تعالى كان إلى الله أحب، ولا يبلغ كمال العبودية إلا بالتوبة والتطهير من ذنب الغفلة والتقصير، ولذلك قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [سورة البقرة: 222] .
وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [سورة آل عمران: 31] .
وكان - صلى الله عليه وسلم - يكثر من التوبة والاستغفار، فمن أراد أن يحبه الله تعالى فليكثر منهما.
وروى ابن ماجه بإسناد حسن، عن عبد الله بن بُسْر، وأبو نعيم عن عائشة، والإمام أحمد في"الزهد"عن أبي الدرداء - موقوفاً عليه - وقال الأوَّلان: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"طُوْبَىْ لِمَنْ وَجَدَ فيْ صَحِيْفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيْرًا".
وروى الإمام أحمد، والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"مَنْ أَكْثَرَ مِنَ الاسْتِغْفَارِ جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيْقٍ مَخْرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبْ".