ولما كانت إدامة للملك هي أشرف صفات العبد قال: {يقولون} أي مجددين لذلك دائماً لعلمهم أن الله تعالى له أن يفعل ما يشاء ، لا حق لأحد عليه ولا سيما إذا رأوا انطفاء نور المنافقين ، قال سهل: لا يسقط الافتقار إلى الله تعالى عن المؤمنين في الدنيا ولا في الآخرة بل هم في الآخرة أشد افتقاراً إليه وإن كانوا في دار العز لشوقهم إلى لقائه: {ربنا} أي أيها المتفضل علينا بهذا النور وبكل خير كنا أو نكون فيه {أتمم} فأظهروا لأن المقام له.
ولما كان الإنسان ربما رزق شيئاً فانتفع به غيره دونه قالوا: {لنا نورنا} أي الذي مننت به علينا حتى يكون في غاية التمام فتوصلنا به إلى المأمن في دار السلام ، ولا تجعلنا كالمنافقين الذين أطفأت أنوارهم فكانت عاقبتهم إلى الظلام.
ولما كان كل من حسن أدبه لا بد أن يعتقد في نفسه النقص ، قالوا على سبيل الذلة والمسكنة والتواضع: {واغفر لنا} أي امح عنا كل نقص كان يميل بنا إلى أحوال المنافقين عينه وأثره ، وهذا النور هو صورة أعمالهم في الدنيا لأن الآخرة تظهر فيها حقائق الأشياء وتتبع الصور معانيها ، وهو شرع الله الذي شرعه وهو الصراط الذي يضرب بين ظهراني جهنم لأن الفضائل في الدنيا متوسطة بين الرذائل ، فكل فضيلة تكتنفها رذيلتان: إفراط وتفريط ، فالفضيلة هي الصراط المستقيم ، والرذيلتان ما كان من جهنم عن يمينه وشماله ، فمن كان يمشي في الدنيا على ما أمر به سواء من غير إفراط ولا تفريط كان نوره تاماً ، ومن أمالته الشهوات طفئ نوره - أعاذنا الله من ذلك ورزقنا حسن الثبات ، وكان ذلك الطفئ في بعض الأوقات واختطفته كلاليب هي صور الشهوات فتميل به في النار بقدر ميله إليها ، والمنافق يظهر له نور إقراره بكلمة التوحيد ، فإذا مشى طفئ لأن إقراره لا حقيقة له فنوره لا حقيقة له.