ثم ساق - سبحانه - ما هو أشد في التحذير والتأديب فقال: وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ.
وقوله تَظاهَرا أصله تتظاهرا فحذفت إحدى التاءين تخفيفا. والمراد بالتظاهر:
التعاون والتآزر، يقال: ظاهر فلان فلانا إذا أعانه على ما يريده، وأصله من الظهر، لأن من يعين غيره فكأنه يشد ظهره، ويقوى أمره.
قال - تعالى -: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً، وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً، فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ.
وجواب الشرط - أيضا - محذوف - أي: وإن تتعاونا عليه بما يزعجه، ويغضبه، من الإفراط في الغيرة، وإفشاء سره. فلا يعدم ناصرا ولا معينا بل سيجد الناصر الذي ينصره عليكما، فإن الله - تعالى - هُوَ مَوْلاهُ أي: ناصره ومعينه وَجِبْرِيلُ كذلك ناصره ومعينه عليكما.
وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ أي: وكذلك الصالحون من المؤمنين من أنصاره وأعوانه.
وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ أي: والملائكة بعد نصر الله - تعالى - له، وبعد نصر جبريل وصالح المؤمنين له، مؤيدونه ومناصرونه وواقفون في صفه ضدكما.
وفي هذه الآية الكريمة أقوى ألوان النصر والتأييد للرسول صلى الله عليه وسلم وأسمى ما يتصوره الإنسان من تكريم الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم ومن غيرته - عز وجل - عليه، ومن دفاعه عنه صلى الله عليه وسلم.
وفيها تعريض بأن من يحاول إغضاب الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لا يكون من صالح المؤمنين.
وقوله: وَجِبْرِيلُ مبتدأ، وقوله: وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ معطوف عليه.
وقوله: بَعْدَ ذلِكَ متعلق بقوله ظَهِيرٌ الذي هو خبر عن الجميع.
وقد جاء بلفظ المفرد، لأن صيغة فعيل يستوي فيها الواحد وغيره. فكأنه - تعالى - قال: والجميع بعد ذلك مظاهرون له، واختير الإفراد للإشعار بأنهم جميعا كالشيء الواحد في تأييده ونصرته، وبأنهم يد واحدة على من يعاديه.