{عَلَيْهَا} ؛ أي: على تلك النار العظيمة {مَلَائِكَةٌ} تلي أمرها وتعذيب أهلها، وهم: الزبانية التسعة عشر وأعوانهم، فليس المراد بـ {على} الاستعلاء الحسي، بل الولاية والقيام، والاستيلاء والغلبة على ما فيها من الأمور. {غِلَاظٌ} ؛ أي: غلاظ القلوب. جمع غليظ، بمعنى خشن خال قلبه من الشفقة والرحمة. {شِدَادٌ} ؛ أي: شداد القوى. جمع شديد، بمعنى القوي؛ لأنهم أقوياء لا يعجزون عن الانتقام من أعداء الله على ما أمروا به. وقيل: غلاظ الأقوال، شداد الأفعال، أقوياء على الأفعال الشديدة، يعملون بأرجلهم كما يعملون بأيديهم. وقيل: غلاظ على أهل النار، شداد عليهم لا يرحمونهم إذا استرحموهم؛ لأن الله سبحانه خلقهم من غضبه، وحبب إليهم تعذيب خلقه لا لذة لهم إلا فيه، فمقتضى جبلَّتهم تعذيب الخلق بلا مرحمة كما أن مقتضى جبلة الحيوان الأكل والشرب، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، أو كما بين المشرق والمغرب، يضرب أحدهم بمقمعة ضربة واحدة، فيهوون في النار سبعين ألفًا من أهل النار.
وقيل: الغلاظ: ضخام الأجسام، والشداد: الأقوياء.
{لَا يَعْصُونَ اللَّهَ} سبحانه {مَا أَمَرَهُمْ} ؛ أي: لا يعصون أمره في عقوبة الكفار وغيرها، على أنه بدل اشتمال من {اللَّهَ} ، و {مَا} مصدرية؛ أو: لا يعصونه فيما أمرهم به، على نزع الخافض، و {مَا} موصولة؛ أي: لا يمتنعون من قبول الأمر كأعوان ملوك الدنيا يمتنعون بالرشوة، بل يلتزمونه ويعزمون على إتيانه. فليست هذه الجملة مع التي بعدها في معنى واحد. {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} ؛ أي: يؤدون ما يؤمرون به من تعذيب الكفار من غير تثاقل وتوان، وتأخير وزيادة ونقصان. وقال القاضي: لا يعصون الله ما أمرهم فيما مضى، ويستمرون على فعل ما يؤمرون به في المستقبل.
وقال الزمخشري.
فَإِنْ قُلْتَ: أليست الجملتان في معنى واحد؟
قلت: لا، فإن معنى الأولى: أنهم يتقبلون أوامره، يلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها، ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به من تعذيب الكفار، لا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه، انتهى.