قال ابن جرير الطبري «1» رحمه اللّه: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة قول من قال: عنى بذلك إن ارتبتم فلم تدروا ما الحكم فيهنّ. وذلك أنّ معنى ذلك لو كان كما قاله من قال: إن ارتبتم بدمائهن فلم تدروا أدم حيض أم استحاضة ، لقيل: إن ارتبتنّ ، لأنهنّ إذا أشكل الدم عليهن فهن المرتابات بدماء أنفسهن لا غيرهن. وفي قوله: إِنِ ارْتَبْتُمْ وخطابه للرجال بذلك دون النساء الدليل الواضح على صحة ما قلنا من أنّ معناه: إن ارتبتم أيها الرجال بالحكم فيهنّ.
وأخرى: وهي أنّه جل ثناؤه قال: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ واليائسة من المحيض هي التي لا ترجو محيضا للكبر ، ومحال أن يقال: واللائي يئسن ، ثم يقال: ارتبتم بيأسهن ، لأن اليأس هو انقطاع الرجاء ، والمرتاب بيأسها مرجو لها ، وغير جائز ارتفاع الرجاء ووجوده في وقت واحد اهـ.
وهذا الذي اختاره ابن جرير وافقه عليه جمهور المفسرين ، وليس عليه اعتراض سوى أن يقال: إذا كان معنى إِنِ ارْتَبْتُمْ إن جهلتم عدتهن فسألتم عنها ، فأي فائدة في ذكر هذا الشرط بعد أن كان معلوما في كل الأحكام الشرعية أنّ اللّه أنزلها لتعليم من لا يعلم؟
وأجابوا عن ذلك بأنّ المقصود: إن سألتم عن حكمهنّ ، وشككتم فيه ، فقد بيناه لكم أيها السائلون ، ففيه تنويه بشأن السائلين ، وبيان لنعمته تعالى عليهم حين أجاب طلبهم ، وأزال ما عندهم من الشك والريب ، بخلاف المعرض عن طلب العلم الذي لم يخطر بباله ، استوفيت عدد النساء أم لم تستوف؟
وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ مبتدأ خبر محذوف ، أي واللائي لم يحضن كذلك ، أي عدتهن ثلاثة أشهر ، يريد أنّ المعتدة التي لم يسبق لها حيض تعتد بثلاثة أشهر ، سواء أكان عدم حيضها لصغر ، أم لعلة ، أم لمنعه بدواء.
ولا نعلم خلافا في أنّ التي لم تر الحيض أصلا تعتد بثلاثة أشهر ، مهما بلغت من السنّ ، إلا رواية عن أحمد رحمه اللّه فيمن بلغت ولم تحض أنّها تتربص تسعة أشهر غالب مدة الحمل ، فإن استبان حملها وإلا اعتدت ثلاثة أشهر ، فيكون مثلها كمثل التي ارتفع حيضها ، لا تدري ما رفعه. والرواية الثانية عن أحمد الموافقة لرأي الجمهور أنها تعتد ثلاثة أشهر ، ولم يجعلوا للصغر الموجب للاعتداد بالأشهر حدّا.
أخذ العلماء من قوله تعالى: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ أن للإنسان أن يزوّج ولده الصغار ، لأنّ اللّه تعالى جعل على من لم تحض من النساء لصغر أو غيره عدة ، ولا يكون على الصغيرة عدة إلّا أن يكون لها نكاح.
(1) في تفسيره جامع البيان تفسير القرآن المشهور بتفسير الطبري (28/ 91) .