ثم في قيامه - عليه السلام - بما يوفي حقوق التسع ويرضيهن دلالةُ نبوته ورسالته؛ لأن الناس إنما يقوون على الجماع بما يصيبون من فضل الأطعمة والأغذية، ثم هم مع أصابتهم فضول الأطعمة والأشياء اللذيذة يفْتُرون عن إيفاء حقوق الأربع، وقد كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - آثر الزهدَ في الدنيا، وقلت رغبته في مطاعمها ومشاربها، وكان مع ذلك يفي بحقوقهن، فعلم بهذا أنه إنما وصل إلى ما ذكرنا بما قواه اللَّه - تعالى - عليه وأقدره، لا بالحيل والأسباب، ثم أزواج رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - امتُحِنَ بالقيام بوفاء حق رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ، وأن ينظرن إليه بعين التبجيل والتعظيم، فكانت المحنة عليهن أشد من المحنة على غيرهن من النساء مع أزواجهن؛ لأن المرأة قلما تسلم عن رفع [صوتها] على صوت زوجها، إذا لم يكن له امرأة سواها، فكيف إذا كانت معها أخرى، ثم هن لو رفعن أصواتهن على صوت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أوجب ذلك إحباط عملهن؛ على ما قال تعالى: (وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) ؛ فلا يجوز أن يمتحن بهذه الكلفة الشديدة والمحنة العظيمة إلا بما شرح اللَّه تعالى صدورهن ويفسح قلوبهن؛ لاحتمال ذلك.