ووجه الفرض فيه: أن الأمم من قبل، لم تكن يؤذن لهم بالحنث في اليمين، ولا أن يحلوا منها بالكفارة، ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ) ، فلم يأذن له بالحنث وأباح له الضرب، ثم أباح لهذه الأمة حل اليمين بالحنث والكفارة، فنسب الحل إلى الكفارة، ومرة إلى انحلالها بنفسها من جهة الحنث.
ثم قوله: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ) . أي: وسع عليكم، وأحل لكم تحلة اليمين؛ ففي هذا أن كل ما ذكر فيه (كتب لكم) ، أو: (فرض لكم) ، فهو في موضع الإباحة والتوسيع، وما ذكر فيه (عَلَيْكُمُ) فهو على الإيجاب والإلزام؛ قال اللَّه تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) ، وقال: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) ، وذلك كله في موضع الوجوب، وقال اللَّه تعالى: (ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) ، معناه: أباح لكم الدخول فيها.
وقوله تعالى: (وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ) .
أي: أولى بكم فيما امتحنكم من الكفارة وغيرها.
أو (وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ) ، أي: أولى بكم في نصركم والدفع عنكم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) .
أي: (الْعَلِيمُ) بمصالحكم أو مقاصدكم، أو بما تسرون وما تعلنون، أو بما كان ويكون، (الْحَكِيمُ) : هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، أو حكيم بما حكم عليكم من تحلة الأيمان، واللَّه أعلم.
ثم في قوله: (الْعَلِيمُ) إلزام المراقبة والمحافظة، ودعاء إلى التبصر والتيقظ في كل ما يتعاطاه المرء من الأفعال، ويأتي به من الأقوال.
وفي قوله: (الْحَكِيمُ) دعاء إلى التسليم بحكم اللَّه تعالى؛ إذ الحكيم لا يحكم على أحد إلا بما فيه حكمة وفائدة؛ فلزمه تسليم النفس لحكمه على وجه الحكمة فيه أو جهله.