وحاصل المعنى أرسلنا رسولاً بعد رسول حتى انتهى الإرسال إلى عيسى عليه الصلاة والسلام {وءاتيناه} بأن أوحيناه إليه وليس هو الذي بين أيدي النصارى اليوم أعني المشتمل على قصة ولادته وقصة صلبه المفتراة ؛ وقرأ الحسن {أَهْلُ الإنجيل} بفتح الهمزة ، قال أبو الفتح: وهو مثال لا نظير له ، قال الزمخشري: وأمره أهون من أمر البرطيل بفتح الباء والكسر أشهر وهو حجر مستطيل واستعماله في الرشوة مولد مأخوذ منه بنوع تجوز لأنه عجمي وهذا عربي وهم يتلاعبون بالعجمي ولا يلتزمون فيه أوزانهم ، وزعم بعض أن لفظ الإنجيل عربي من نجلت بمعنى استخرجت لاستخراج الأحكام منه {وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً وَرَحْمَةً} أي خلقنا أو صيرنا ففي قلوب في موضع المفعول الثاني وأياً مّا كان فالمراد جعلنا ذلك في قلوبهم فهم يرأف بعضهم ببعض ويرحم بعضهم بعضاً ، ونظيره في شأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم {رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] والرأفة في المشهور الرحمة لكن قال بعض الأفاضل: إنها إذا ذكرت معها يراد بالرأفة ما فيه درء الشر ورأب الصدع ، وبالرحمة ما فيه جلب الخير ولذا ترى في الأغلب تقديم الرأفة على الرحمة وذلك لأن درء المفاسد أهم من جلب المصالح وقرئ رآفة على فعالة كشجاعة {وَرَهْبَانِيَّةً} منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر أي وابتدعوا رهبانية.
{ابتدعوها} فهو من باب الاشتغال ، واعترض بأنه يشترط فيه كما قال ابن الشجري.
وأبو حيان أن يكون الاسم السابق مختصاً يجوز وقوعه مبتدأ والمذكور نكرة لا مسوغ لها من مسوغات الابتداء ، ورد بأنه على فرض تسليم هذا الشرط الاسم هنا موصوف معنى بما يؤخذ من تنوين التعظيم كما قيل في قولهم: شر أهر ذا ناب.