وإليه قصدت وعلى وجوده في ظهورها اعتمدت؛ إذ هو فيما بينَّا من آل يؤل؛ أي:
إن منتهى كل شيء إليه، ألا ترى أن الوجود الكائن في الهواء، وفي كلال الأبصار
الذي عنه يكون رفع الشخص في بصر الرائي في بعض على المرئي وأنهى الرؤية
إليه، ولولا ذلك الكائن في الهواء وفي كلال الأبصار لم يبصر البصر، إذ قد خرج
ذلك المرئي عن حد منتهى الروح الخارج عن الحدقة، وكونه مزينًا لذلك الرائي
عن جنب.
فكذلك الله - جل ثناءه - قد تعالى عن إدراك أبصار المبصرين وجل قدرًا عن
توهم المتوهمين أقام ما بثه في العالم، وأسس عليه خليقته من معاني أسمائه
وإشارات صفاته، وشواهد أفعاله ودلائل تبيانه، وسبل أنبيائه وسنن رسله، مع ما
أقامه من مقتضى ذلك في ألباب الألباب من عباده، وركبه في فطرهم من بصائر
سالمة وقلوب واعية، وحقيقة إيمان ونور إيقان ما أظهر به وجوده العلي للبصائر،
وأوقف عليه العقول مشاهدة حتى لم يجددونه مقصرًا ولا وراءه مرمى، كالشمس
المنيرة للأبصار أشاعت من ضيائها في أقطار أجوائها ما به أبصرتها الأبصار معاينة
ووقفت عليها مشاهدة؛ فليس إذًا بمبعد أن يكون عنى هذا.
وعبر عنه بالآل"لكثرة طرقه وشمول سبله، وجمعه بـ: آلاء، كصحب"
وأصحاب، وشكل وأشكال، وقوم وأقوام، ونحو هذا كثير متعارف، لكن البصائر
علمته غير محدود ولا مكيف، وعرفته دون توهم ولا تصور - سبحانه وتعالى - له المثل الأعلى في
السماوات والأرض (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) .
يقول الله - جلَّ ذكره - يخاطب الثقلين: الجن والإنس، ويذكر بآلائه في
السماوات والأرض والدنيا والآخرة، هو الله الرحمن ربكم، علم القرآن، خلق
الإنسان، علمه البيان، جعل الشمس والقمر بحسبان، يجريان بحساب تقدير العزيز
العليم، والنجم يريد النجوم، وقد يجوز أن يلحق مع ذلك النبات (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ
يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا...).
يقول: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) بأي آياتي وبيناتي ومصانعي
وحكمي وحكمتي وعدلي في خليقتي، وما فطرت جميعها عليه من معرفتها آياتي