وقوله: فَاسْتَوى أي: فاستقام على صورة ذاته الحقيقية، دون الصورة الآدمية التي كان ينزل بها على الرسول صلى الله عليه وسلم.
وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى أي: وهو - أي جبريل - بالجهة العليا من السماء المقابلة للناظر إليها ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى أي: ثم قرب جبريل - عليه السلام - من النبي صلى الله عليه وسلم فَتَدَلَّى أي: فانخفض من أعلى إلى أسفل ...
وأصل التدلي: أن ينزل الشيء من طبقته إلى ما تحتها، حتى لكأنه معلق في الهواء، ومنه قولهم: تدلت الثمرة إذا صارت معلقة في الهواء من أعلى إلى أسفل ..
ثم صور - سبحانه - شدة قرب جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم فقال: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى والقاب: المقدار المعين: وقيل: هو ما بين وتر القوس ومقبضها ..
والقوس: آلة معروفة عند العرب، يشد بها وتر من جلد، وتستعمل في الرمي بالسهام.
وكان من عادة العرب في الجاهلية، أنهم إذا تحالفوا، يخرجون قوسين ويلصقون إحداهما بالأخرى، فيكون قاب إحداهما ملاصقا للآخر، حتى لكأنهما قاب واحد، ثم ينزعونهما معا ويرمون بهما سهما واحدا، فيكون ذلك دليلا على التحالف التام والرضا الكامل ...
والمعنى: أن جبريل - عليه السلام - بعد أن كان بالجهة العليا من السماء، ثم قرب من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم زاد في القرب، حتى كان على مقدار مسافة قوسين منه صلى الله عليه وسلم أو أقرب من ذلك.
قال صاحب الكشاف: قوله: قابَ قَوْسَيْنِ مقدار قوسين عربيتين، والقاب والقيب، والقاد والقيد، المقدار ... وقد جاء التقدير بالقوس، والرمح، والسوط، والذراع، والباع، والخطوة والشبر ... ومنه الحديث الشريف: «لقاب قوس أحدكم من الجنة، وموضع قده، خير من الدنيا وما فيها» والقد السوط ...
فإن قلت: كيف تقدير قوله: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ، قلت: تقديره فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين، فحذفت هذه المضافات .. .
و «أو» في قوله: أَوْ أَدْنى للشك، ولكن هذا الشك من جهة العباد، أي: أن الرائي إذا رأى هذا الوضع قال: هو قاب قوسين أو أقرب من ذلك، ويصح أن تكون بمعنى «بل» .