وذكر أيضاً جراد من ذهب، ولجراد الذهب هذا قصة مع سيدنا داود عليه السلام."فيُروى أنه كان يجلس على سطح منزله يعبد الله ويناجيه، وذات يوم رأى جراداً من ذهب يُحلِّق فوقه، ففرض له ثوبه، فصار الجراد يقع فيه فيأخذه داود، فقال الله له: يا داود ألم أُغْنِكَ؟ قال: بلى يا رب لكن لا غِنَى لي عن فضلك".
وقوله سبحانه: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم: 17] أي: ما زاغ بصر سيدنا رسول الله في هذه الرحلة، و (زَاغ) فِعْل بمعنى مال عن القصد، وزاغ تعطي معنى (راغ) التي وردت في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام:
{فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ} [الذاريات: 26] أي: مال إلى أهله مَيْلاً خفياً لا يدركه الحاضرون.
والفرق بينهما النقطة على الزاي، لكن المعنى واحد وقريب منه، قولنا: فلان زوغ. أي: خرج خُفْية بحيث لا يشعر أحد به، وقريبٌ من هذا المعنى أيضاً قوله تعالى:
{الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً .. } [النور: 63] أي: يتسللون خُفْية.
وقوله بعدها: {وَمَا طَغَى} [النجم: 17] ما طغى بصره ولا تجاوز الحدَّ في الرؤية وما مدَّه لغير غايته، وهنا نتعلم الأدب في النظرة، وكيف تكون في حدود المسموح به، كالضيف يدخل بيتك في وجود أهلك وبناتك فلا تمتد عينه ليرى ما لا يجوز له رؤيته.
{لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى}
أي: رأى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كثيراً من آيات الله في رحلة الإسراء والمعراج، آيات في الأرض وآيات في السماء، وكلمة {الْكُبْرَى} [النجم: 18] مؤنث جمع كبيرة، وللمذكر كبير وأكبر. والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم رأى كثيراً من آيات ربه التي تُوصَف بأنها آيات كبرى، أو رأى الكبرى من الآيات كلها.
وبعد أنْ حدَّثتنا الآيات وأقسمتْ على صِدْق سيدنا رسول الله في البلاغ عن ربه، وذكرت لنا بعض الآيات الكونية والمعجزات تنتقل بنا إلى المقابل، إلى الحديث عن الأصنام وعُبَّاد الأصنام. انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ} ...