عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ:"قَرَأَ وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ هَذِهِ الْآيَةَ {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} فَقَالَ: أَلَا إِنَّ رِزْقِي فِي السَّمَاءِ وَأَنَا أَطْلُبُهُ فِي الْأَرْضِ، فَدَخَلَ خَرِبَةً فَمَكَثَ ثَلَاثًا لَا يُصِيبُ شَيْئًا، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ إِذَا هُوَ دَوْخَلَّةُ رُطَبٍ، وَكَانَ لَهُ أَخٌ أَحْسَنُ نِيَّةً مِنْهُ، فَدَخَلَ مَعَهُ، فَصَارَتَا دَوْخَلَّتَيْنِ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبُهُمَا حَتَّى فَرَّقَ الْمَوْتُ بَيْنَهُمَا"
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَمَا تُوعَدُونَ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَمَا تُوعَدُونَ مِنْ خَيْرٍ، أَوْ شَرٍّ [وهو قول مُجَاهِدٌ] .
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَمَا تُوعَدُونَ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ، لِأَنَّ اللَّهَ عَمَّ الْخَبَرَ بِقَوْلِهِ: {وَمَا تُوعَدُونَ} عَنْ كُلِّ مَا وَعَدَنَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَلَمْ يُخَصِّصْ بِذَلِكَ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ كَمَا عَمَّهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُقْسِمًا لِخَلْقِهِ بِنَفْسِهِ: فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، إِنَّ الَّذِي قُلْتُ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ فِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ لَحَقٌّ، كَمَا حَقٌّ أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ.
عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَاتَلَ اللَّهُ أَقْوَامًا أَقْسَمَ لَهُمْ رَبُّهُمْ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ» .
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لِلْجَمْعِ بَيْنَ «مَا» وَ «أَنَّ» فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَظِيرُ جَمْعِ الْعَرَبِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالْأَدَوَاتِ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ فِي الْأَسْمَاءِ:
مِنَ النَّفْرِ اللَّائِي الَّذِينَ إِذَا هُمُ ... يَهَابُ اللِّئَامُ حَلْقَةَ الْبَابِ قَعْقَعُوا
فَجَمَعَ بَيْنَ اللَّائِي وَالَّذِينَ، وَأَحَدُهُمَا مُجْزِئٌ مِنَ الْآخَرِ؛ وَكَقَوْلِ الْآخَرِ فِي الْأَدَوَاتِ:
مَا إِنْ رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ بِهَ ... كَالْيَوْمِ طَالِيَ أَيْنُقٍ جُرْبِ