24 -و {الهمزة} في قوله: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} للاستفهام التوبيخي، داخلة على مقدر يقتضيه المقام، و {الفاء} : عاطفة على ذلك المقدر، والتقدير: ألا يلاحظ هؤلاء المنافقون هذا القرآن فلا يتدبرونه، ولا يتصفحون ما فيه من المواعظ الزاجرة، والحجج الظاهرة، والبراهين القاطعة، التي تكفي من له فهم وعقل، وتزجره عن الكفر بالله، حتى لا يقعوا في المعاصي الموبقة {أَمْ عَلَى قُلُوبٍ} لهم {أَقْفَالُهَا} وأغلاقها، فلا يكاد يصل إليها ذكر أصلًا.
والمعنى: أنه لا يدخل في قلوبهم الإيمان، ولا يخرج منها الكفر والشرك، لأنَّ الله سبحانه قد طبع عليها، والمراد بالقلوب: قلوب هؤلاء المخاطبين، والأقفال: جمع قفل بالضم: وهو الحديد الذي يغلق به الباب. كما في"القاموس".
قال في"الإرشاد": {أَمْ} : منقطعة، وما فيها من معنى بل، للانتقال من التوبيخ بعدم التدبّر إلى التوبيخ بكون قلوبهم مقفلة لا تقبل التدبّر، والتفكر، وما فيها من معنى الهمزة للتقرير، وتنكير القلوب: إما لتهويل حالها، وتفظيع شأنها بإبهام أمرها في الفساد والجهالة، كأنه قيل: أم على قلوب منكرة لا يعرف حالها، ولا يقادر قدرها في القسوة، وإما لأنّ المراد: قلوب بعض منهم: وهم المنافقون، وإضافة الأقفال إليها للدلالة على أنها أقوال مخصوصة بها مناسبة غير مجانسة لسائر الأقفال المعهودة التي من الحديد، إذ هي أقفال الكفر التي استغلقت فلا تنفتح، انتهى.
فإن قيل: قد أخبر تعالى: بأنه أصمهم وأعمى أبصارهم، فكيف يوبخهم على ترك التدبر؟ كقولك للأعمى: أبصر، وللأصمّ: اسمع؟
أجيب عنه: بأن التكليف بما لا يطاق جائز، وقد أمر الله من علم أنه لا يؤمن بالإيمان، فلذلك وبخهم على ترك التدبّر، مع كونه أصمهم وأعمى أبصارهم. كذا في"الفتوحات".