والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة. فالعمل بالوحي ، هو الاتباع كما دلت عليه الآيات.
ومن المعلوم الذي لا شك فيه ، أن اتباع الوحي المأمور به في الآيات لا يصح اجتهاد يخالفه من الوجوه ، ولا يجوز التقليد في شيء يخالفه.
فاتضح من هذا الفرق بين الاتباع والتقليد ، وأن مواضع الاتباع ليست محلاً أصلاً للاجتهاد ولا للتقليد.
فنصوص الوحي الصحيحة الواشحة الدلالة السالمة من المعارض لا اجتهاد ولا تقليد معها ألبتة.
لأن اتباعها والإذعان لها فرض على كل أحد كائناً من كان كما لا يخفى.
وبهذا تعلم أن شروط المجتهد التي يشترطها الأصوليون إنما تشترط في الاجتهاد.
وموضع الاتباع ليس محل اجتهاد.
فجعل شروط المجتهد في المتبع مع تباين الاجتهاد والاتباع وتباين مواضعهما خلط وخبط ، كما ترى.
والتحقيق أن اتباع الوحي لا يشترط فيه إلا علمه باما يعمل به من ذلك الوحي الذي يتبعه.
وأنه يصح علم حديث والعمل به ، وعلم آية والعمل بها.
ولا يتوقف ذلك على تحصيل جميع شروط الاجتهاد.
فيلزم المكلف أن يتعلم ما يحتاج غليه من الكتاب والسنة ، ويعمل بكل ما علم من ذلك ، كما كان عليه أول هذه الأمة ، من القرون المشهود لها بالخير.
التنبيه الخامس.
اعلم أنه لا يخفى علينا أن المقلدين التقليد الأعملى المذكور ، يقولون:
هذا الذي تدعوننا إليه وتأمروننا به من العمل بالكتاب والسنةن والتقديمهما على آراء الرجال من التكليف بما لا يطاق.
لأنا لا قدرة لنا على معرفة الكتاب والسنة حتى نعمل بهما.
ولا يمكننا معرفة شيء من الشرع إلا عن طريق الإمام الذي نقلده.
لأنا لم نتعلم نحن ولا آباؤنا شيئاً غير ذلك.
فإذا لم نقلد إمامنا بقينا في حيرة لا نعلم شيئاً من أحكام عباداتنا ولا معاملاتنا ، وتعطلت بيننا الأحكام إذ لا نعرف قضاء ولا فتوى ولا غير ذلك من الأحكام إلا عن طيق مذهب إمامنا.