وقد أنشأ الله بهذا القرآن العظيم تلك الفئة العجيبة من البشر في صدر الإسلام، الفئة التي صُنعت على عين الله، تحمل رحمة الله وشريعته، لتكون قدوة للبشرية إلى يوم القيامة، اولئك هم: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29]
وهي قدر من قدر الله سلطه على من يشاء في الأرض، فيمحو ويثبت في واقع الحياة والناس ما شاء الله من محو وإثبات.
وما يزال هذا القرآن بين يدي الناس قادراً لو حكموه أن ينشئ أفراداً وفئات تمحو وتثبت في الأرض بإذن الله ما يشاء الله.
تمحو الظلم والبغي والباطل، وتثبت الحق والعدل والسلام.
والله سبحانه هو الرحمن الرحيم، ورحمته لنا تزيد بمقدار رحمتنا لخلقه، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «لا يَرْحَمُ اللهُ مَنْ لا يَرْحَمُ النَّاسَ» متفق عليه.
والرحمة المضافة إلى الله نوعان:
الأولى: إضافة مفعول إلى فاعله كما قال الله سبحانه في الحديث عن الجنة:
«إِنَّمَا أنْتِ رَحْمَتِي أرْحَمُ بِكِ مَنْ أشَاءُ مِنْ عِبَادِي» متفق عليه.
فهذه رحمة مخلوقة، مضافة إليه إضافة المخلوق بالرحمة إلى الخالق، وسماها رحمة، لأنها خلقت بالرحمة وللرحمة، وخص بها أهل الرحمة، وإنما يدخلها الرحماء، ومنه تسمية المطر رحمة، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة» متفق عليه.
الثانية: إضافة صفة إلى موصوف، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث» أخرجه النسائي في الكبرى والحاكم.
فالرحمة هنا صفة لله يستغاث بها، ولا يستغاث بمخلوق.