ثم قال بعد أن أتى بكلام طويل عجيب في هذا المعنى (فصل) نذكر فيه طرفاً من ظاهر معنى لا إله إلا الله وقد أسلفنا العذر المقتضى للسكوت عن باطن معناها فنقول، اعلم أنه لا إله إلا الله واجب الوجود لذاته الفرد الواحد الملك القادر الحي القيوم القديم الأزلي الدائم الأبدي الذي هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير تقدر وتعالى عن الشبيه والنظير وعن الشريك والوزير لا يحده الزمان ولا يشغله شأن عن شأن ولا تحيط به الجهات ولا تعتريه الحادثات له الغنى المطلق عن كل شيء بكل معنى ومن كل وجه وكل ما سواه مفتقر إليه فقراً لا يتصور عنه انفكاك، خلق الخلق أجمعين وخلق أعمالهم خيرها وشرها نفعها وضرها فتبارك الله أحسن الخالقين، يهدي من يشاء ويضل من يشاء ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء ويغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، خلقهم ورزقهم وأنزل الكتب وبعث الرسل لهدايتهم لطفاً بهم وتفضلاً عليهم يجب توحيده وطاعته على عباده بإيجابه ولا يجب عليه لأحد شيء لأنه المالك لكل شيء المستولى على كل شيء فليس لأحد معه ملك ولا لأحد عنده حق، وعد المحسنين بثوابه فضلاً. وتوعد المسيئين بعقابه عدلأُ. فالآلة هو الجامع لجميع هذه الصفات وهو الله الذي لا إله إلا هو.
ثم قال في موضع آخر: اعلم أن هذه الكلمة الشريفة شطر أن أحدهما نفي وهو قولك: «لا إله» . والآخر إثبات وهو قولك: «إلا الله» . فإذا صدر النفي متعقّباً بازثبات ممن لا يشرك مع الله آخر فمعناه نفي توهم أن مع الله آلهاً آخر من المشركين والرد عليهم وتقرير المعنى الحاصل في القلب من التوحيد فإنه يتأكد بتكرار هذه الكلمة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم جددوا إيمانكم بقول: لا إله إلا الله ثم قال: وإنما قلنا في صدر الفعل للموحد أن يقصد بنفيه الإلهية عما سوى الله الرد على من توهم ذلك من المشركين ونحوهم. وسمينا اعتقادهم الفاسد توهماً لأنه إنما ينشأ عن تصور فاسد ورأى ضعيف يؤذن بتغير قائله وفقد عقله وإلا فكيف يخفي على ذي بصر وسمع فضلاً عن ذي بصيرة وقلب وجود من ظهرت به الأشياء وانفراده بها ولكن من يهدي الله فماله من مضل ومن يضلل الله فماله من هاد.
أيا عجباً كيف يعصي الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
ولله في كل تحريكه ... وتسكينه أثر شاهد