ونحن نتوقف في التسليم بهذا التأويل على إطلاق. لأن هناك أحداثا يقينية الوقوع في العهد المدني تعارضه. منها أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الفداء من أسرى بدر وأطلقهم وهم كفار وعادوا إلى مكة. وهذا ما انطوى في آيات سورة الأنفال [67 - 69] التي مرّ شرحها ومنها مصالحة النبي صلى الله عليه وسلم المشركين مع بقائهم على شركهم في صلح الحديبية الذي انطوى خبره في سورة الفتح المتأخرة كثيرا عن هذه السورة. وقد دخل نتيجة لذلك بنو بكر في صلح قريش وبنو خزاعة في صلح النبي
مع بقائهم على شركهم. وهذا يسوغ القول إن الجملة المذكورة تعني (حتى تنتهي حالة الحرب بإسلام الكفار الذين كانت بينهم وبين المسلمين حالة عداء وحرب أو التصالح معهم ووقوف حالة الحرب بينهم وبين المسلمين ولو بقوا مشركين.
وقياسا على هذا القول الذي نرجو أن يكون هو الصواب فيمكن القول إنه يشمل كل حالة حرب تكون بين المسلمين والأعداء المستحقين للقتال من الكفار كما هو المتبادر. ولقد أورد البغوي قولا للكلبي لجملة حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها إنها بمعنى حتى يسلموا أو يسالموا وقولا للفراء إنها بمعنى حتى لا يبقى إلّا مسلم أو مسالم. والتأويلان يدعمان تأويلنا كما هو واضح.
وجملة فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً صريحة في أنها تجعل للمسلمين الخيار في الأسرى الذين يأسرونهم من الكفار بعد أن تنتهي حالة الحرب بأحد الشكلين السابقين بين المنّ والتسريح بدون فداء، والتسريح بالفداء. وصاحب الخيار هو ولي أمر المسلمين بطبيعة الحال.
وهذه هي المرة الثالثة التي يرد فيها حكم قرآني في صدد أسرى الأعداء.