وذكر بعض أهل التأويل: أن أهل مكة كانوا يؤذون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه - رضوان اللَّه عليهم أجمعين - بأنواع الأذية، فشكوا إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ما كانوا يلقون منهم، فقال:"إني لم أومر بشيء فيهم من القتال وغيره فاصبروا على ذلك، ولكني رأيت في المنام أن أهاجر إلى أرض أخرى ذات..."كذا؛ فاستبشروا بذلك، ومكثوا بعد ذلك زمانًا لا يرون شيئًا مما ذكر، فشكوا إليه ثانيًا بما يلقون منهم، وقالوا: ما نرى ما قلت لنا من الخروج عنهم، فقال:"إنما رأيت ذلك في المنام ولم يأت به وحي من السماء أيكون ذلك أم لا يكون؟"أو نحو هذا من الكلام، وهذا لا يحتمل أن يكون؛ فإنه لا يُظن بأصحابه - رضي اللَّه عنهم - أن يقولوا له: ما نرى الذي قلت لنا من الخروج عنهم، وفي ذلك اتهامه بذلك، وترك تعظيمه، ولا نظن بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يقول لهم:"أنا رأيت ذلك في المنام، ولم يأت به وحي من السماء"؛ جوابًا لقولهم، ورؤيا الأنبياء - عليهم السلام - كالوحي من السماء، دل أن هذا لا يحتمل أن يصح ويثبت، واللَّه أعلم.
وإنما جائز بعض ما ذكر في القصة من الشكاية منهم من الأذى، والوعد لهم بالخروج من بينهم، واللَّه أعلم.
والوجوه التي ذكرنا أشبه وأقرب إلى العقل، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) . ظاهر.
وقوله - عزَّ وجلَّ -: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ...(10) الآية.
قَالَ بَعْضُهُمْ: إن عبد اللَّه بن سلام آمن برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وشهد أنه رسول اللَّه، ثم شهد بمثل ذلك ابن يامين.