وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصِّحَّةَ وَأَشْبَهُهَا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّنْزِيلُ، الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ لِأَنَّ الْخِطَابَ مِنْ مُبْتَدَإِ هَذِهِ السُّورَةِ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ، وَالْخَبَرُ خَرَجَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خِطَابًا لِلْمُشْرِكِينَ وَخَبَرًا عَنْهُمْ، وَتَوْبِيخًا لَهُمْ، وَاحْتِجَاجًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَيْضًا سَبِيلُهَا سَبِيلُ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فِي أَنَّهَا احْتِجَاجٌ عَلَيْهِمْ، وَتَوْبِيخٌ لَهُمْ، أَوْ خَبَرٌ عَنْهُمْ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَمُحَالٌ أَنْ يُقَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَآيَاتُ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي تَنْزِيلِهِ وَوَحْيِهِ إِلَيْهِ مُتَتَابِعَةٌ بِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ فِي النَّارِ مُخَلَّدُونَ، وَالْمُؤْمِنُونَ بِهِ فِي الْجِنَّانِ مُنَعَّمُونَ، وَبِذَلِكَ يُرَهِّبُهُمْ مَرَّةً، وَيُرَغِّبُهُمْ أُخْرَى، وَلَوْ قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ، لَقَالُوا لَهُ: فَعَلَامَ نَتَّبِعُكَ إِذَنْ وَأَنْتَ لَا تَدْرِي إِلَى أَيِّ حَالٍ تَصِيرُ غَدًا فِي الْقِيَامَةِ، إِلَى خَفْضٍ وَدَعَةٍ، أَمْ إِلَى شِدَّةٍ وَعَذَابٍ؛ وَإِنَّمَا اتِّبَاعُنَا إِيَّاكَ إِنِ اتَّبَعْنَاكَ، وَتَصْدِيقُنَا بِمَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ، رَغْبَةً فِي نِعْمَةٍ، وَكَرَامَةٍ نُصِيبُهَا، أَوْ رَهْبَةً مِنْ عُقُوبَةٍ، وَعَذَابٍ نَهْرُبُ مِنْهُ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْحَسَنُ، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا هُوَ فَاعِلٌ بِهِ، وَبِمَنْ كَذَّبَ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ قَوْمِهِ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قُلْ لَهُمْ مَا أَتَّبِعُ فِيمَا آمُرُكُمْ بِهِ، وَفِيمَا أَفْعَلُهُ مِنْ فِعْلٍ إِلَّا وَحْي اللَّهِ الَّذِي يُوحِيهِ إِلَيَّ
{وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}