وحكى مكي في تفسير قوله:"كان نبي من الأنبياء يخط" (أنه كان يخط) بأصبعه السبابة والوسطى في الرمل ثم يزجر.
وقال ابن عباس في تفسير قوله"ومنا رجال يخطون": هو الخط الذي يخطه الحازي فيعطى حُلواناً فيقول: اقعد حتى أخط لك ؛ وبين يدي الحازي غلام معه مِيل ثم يأتي إلى أرض رِخوة فيخط الأستاذ خطوطاً معجلة لئلا يلحقها العدد ، ثم يرجع فيمحو على مهل خطين خطين ، فإن بقي خطان فهو علامة النجح ، وإن بقي خط فهو علامة الخيبة.
والعرب تسميه الأسحم وهو مشؤوم عندهم.
الثالثة قال ابن العربي: إن الله تعالى لم يُبْق من الأسباب الدالة على الغيب التي أذن في التعلق بها والاستدلال منها إلا الرؤيا ؛ فإنه أذن فيها ، وأخبر أنها جزء من النبوة وكذلك الفأل ؛ وأما الطّيَرة والزجر فإنه نهى عنهما.
والفأل: هو الاستدلال بما يسمع من الكلام على ما يريد من الأمر إذا كان حسناً ؛ فإذا سمع مكروهاً فهو تطيّر ؛ أمره الشرع بأن يفرح بالفأل ويمضي على أمره مسروراً.
وإذا سمع المكروه أعرض عنه ولم يرجع لأجْله ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"اللهم لا طَيْرَ إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك"وقد روى بعض الأدباء:
الفأل والزجر والكهان كلهم ...
مضلّلون ودون الغيب أقفال
وهذا كلام صحيح ، إلا في الفأل فإن الشرع استثناه وأمر به ، فلا يقبل من هذا الشاعر ما نظمه فيه ؛ فإنه تكلم بجهل ، وصاحب الشرع أصدق وأعلم وأحكم.
قلت: قد مضى في الطِّيَرة والفأل وفي الفرق بينهما ما يكفي في"المائدة"وغيرها.
ومضى في"الأنعام"أن الله سبحانه منفرد بعلم الغيب ، وأن أحداً لا يعلم ذلك إلا ما أعلمه الله ، أو يجعل على ذلك دلالة عادية يعلم بها ما يكون على جري العادة ، وقد يختلف.
مثاله إذا رأى نخلة قد أطلعت فإنه يعلم أنها ستثمر ، وإذا رآها قد تناثر طلعها علم أنها لا تثمر.