فالله تعالى يُنطق ألسنتهم بما يُؤيِّد الحق دون أنْ يشعروا، وبما يثبت عنادهم وتغفيلهم كما فعل اليهود في حادثة تحويل القبلة، علم الله ما سيقولونه وأخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم:
{سَيَقُولُ السُّفَهَآءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا ..} [البقرة: 142] .
وأعلن محمد صلى الله عليه وسلم هذه الآية وتلاها على الملأ وتداولتها الألسنة ومع ذلك قالوها، ولو كان عندهم قليلٌ من التعقل الديني لا الدنيوي لتوقَّفوا عن قولها.
ومن ذلك أيضاً قولهم:
{لاَ تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ..} [المنافقون: 7] فالحق ينطلق من ألسنتهم دون أنْ يشعروا به.
كذلك الحال في آيات القرآن الكريم فيها مشهد وغيب، فنأخذ المشهد دليلاً على صِدْق الغيب، نأخذ الآيات الواضحة المعنى دليلاً على الآيات ذات الحروف المقطَّعة التي لا نعرف معناها ونقف عندها ونقول: الله أعلم بمراده منها، لكن هي حَقٌّ وهي من عند الله نزلتْ كما نزلت باقي الآيات لكن معناها غير واضح.
لذلك الحق سبحانه يعطينا إشارة إلى هذه المسألة إشارة تفرق بين (حم)
{وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} [الزخرف: 2] حم الآيات الغامضة التي لا تعرفون لها معنى
{وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} [الزخرف: 2] البيِّن الواضح المعنى.
فجعل الآيات الواضحات المعنى مبنية كلها على الوصل من أول بسم الله الرحمن الرحيم في الفاتحة إلى
{مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [الناس: 4] .
فالقرآن في مُجْمله مبنيٌّ على الوَصْل إلا هذه الحروف المقطَّعة الأربعة عشر فهي مبنية على الوقف، فتقرأ: (ألف لام ميم) (حاميم) وكأن هذا الوقفَ إشارة من الحق سبحانه أنْ لا تأخذوا هذه الحروف على نفس نسَق القرآن في النطق لأنها شيء آخر له خصوصية.
صحيح أنها جميعاً من معين واحد، وكلها من عند الله لكن قفُوا عند هذه الحروف وأرجعوا معناها إلى مُنزلها سبحانه، فقد استَأثر بها لنفسه ليستديم إيماننا بالغيب، وليصلنا دائماً به إيماناً وإسلاماً.
وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرح لنا هذه المسألة فيقول:"ولا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف"فكأن هذا الحرف وحده قائم بذاته له مدلول وله معنى يحسُن السكوت عليه، وإلا لما بُنيتْ هذه الحروف على الوقف.